خطاب (ضيف الشرف)
في
مهرجان التفوق الثاني عشر
لجائزة الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز للتفوق العلمي
المنطقة الشرقية، المملكة العربية السعودية
الأربعاء،الموافق 21 أبريل 1999
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز
أصحاب السمو
أصحاب الفضيلة
أصحاب السعادة
الإخوة والأبنـاء
أحيّيكم بتحية الإسلام، الإسلام القائم على العلم والعمل به. الإسلام الذي يحثنا على التفكر والتدبر. والذي يدفعنا إلى عمارة الأرض، التي لا تتأتى إلاّ بالعلم وحده. الإسلام الذي يرفع العلماء، فيجعلهم ورثة الأنبياء. الإسلام الذي يكرّم من سلك طريقاً، يبتغي فيه علماً، فيسلك الله به طريقاً إلى الجنة.
بداية، أحيّي أخي وصديقي، رفيق العمر، وسند مسيرة الدفاع عن الوطن، صاحب السموّ الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز. لا أقول هذه الكلمات تكراراً لما يقال، عادة، في مثل هذه المناسبات. ولكن، لكل كلمة منها معنى وذكرى. فقد نشأنا، معاً، أخوين في الرضاعة، فوالده والداي، ووالداي والداه. أخوّة حقيقية، نشأت واستمرت وتأصلت. عزّزتها صداقة الطفولة، وصحبة الشباب، وأمانة المسؤولية، فكان رفيق الدرب وسنده، عندما تدفقت إلى المنطقة الشرقية، وحدات وتشكيلات عسكرية، من كل حدب وصوب، فوقف وقفة الرجال، متحملاً مسؤوليته، مؤدياً واجبه، حاملاً أمانته. فله مني أصدق التحية. وله الشكر، كل الشكر، لدعوتنا إلى مشاركته في هذا العرس العلمي، الذي نحتفل فيه بالمتفوقين علماً، أمل أن يصبحوا متفوقين عملاً.
حينما تلقيت هذه الدعوة الكريمة، حرت في أمري. ماذا عساي أقول في حفل يشع علماً، وأمام عقول اتسعت مدارك وفكراً؟ فإذا ذكرتهم بما يحثنا عليه ديننا الحنيف، من سعي إلى العلم والتعليم، وبما يوليه أولو الأمر من اهتمام بهما، كنت كناصح مصلٍّ أن يصلي، وكواعظ صائمٍ أن يصوم، بل كنت كحامل التمر إلى هَجَر. ولكنت، حينئذ، مقللاً من قدر عقول درست فَعَلِمت، وتعلّمت فتفوقت. لذا، كان عليّ أن أنحو منحىً آخر، وأتحدث إليكم حديثاً صريحاً من القلب، يعبّر عمّا يدور في نفسي، أمل حاضرٍ مضيءٍ ومستقبلٍ مشرقٍ.
أولاً: إن أخطر ما يواجه أي أمة، هو إرساء قواعد البناء الصحيح للعملية التعليمية، التي تشمل التعليم والتربية، من المهد إلى اللحد. نعم، إنه التحدي الأكبر، الذي يواجه المخططين وصانعي القرار. فالعملية التعليمية سلسلة متعددة الحلقات، وهي أساس كل تنمية ونمو، وتطور ورقيّ. فلا يمكن للسياسة الزراعية أن تنهض، من دون نظام تعليمي سليم. ولا يمكن لقاعدة صناعية أن تزدهر، من دون الاعتماد على سياسة تعليمية صحيحة. ولا يمكن لقوات مسلحة أن تصبح محترفة من دون علم وتعليم وتدريب. ولأن قوة السلسلة تقاس بقوة أضعف حلقاتها، فللحلقات جميعها الأهمية نفسها. فالمعلم والطالب، والمنشآت والتجهيزات، والمناهج والمراجع، ونظم الاختبارات والتقييم، والتخطيط التعليمي والتطوير المستمر، هي حلقات متصلة، إذا أحكم التخطيط والإعداد لها، برئَ النظام التعليمي من معوقاته وعثراته، ولأنتج نابغين متفوقين مبدعين، ولم ينتج حافظين مردّدين، ناسين ما تعلَّموه. تلك هي الرسالة التعليمية، تربية للنشء، وتقويم للشباب، وتوجيه للرجال. فبالعلم والعمل، وحدهما، ترقى الأمم. والأمثلة عديدة، فعندما استشرى العنف في دولة، أعلنت أن السبب ضعف التعليم. ولدى تعثر دولة في تنفيذ خططها الطموح، صرّحت أن السبب ضعف النظام التعليمي، وحينما تراجعت المؤشرات الاقتصادية في دولة، نادت بضرورة مراجعة سياسة التعليم. فالتعليم والتربية هما الأجدى استثماراً، وهما غرس اليوم، لجني ثمار الغد.
ثانياً: إن أولى درجات النجاح في الارتقاء بالعملية التعليمية، أن نبحث عن مكاننا على خريطة العلم في العالم. وأن نسأل عن موقعنا البحثي في هذا العصر، الذي أصبح العلم والتخصص سمتيه البارزتين. أين نحن من الاختراعات الحديثة؟ أين نحن من الأبحاث الجادة، الهادفة؟ ما هو المجال الذي نتفوق فيه؟ أسئلة كثيرة، تخطر لكل غيور على سمعة وطنه، وكل حريص على الارتقاء بأمته، وكل متطلع ليكون لبلده مكان في عالم التقنية والتقدم. الطريق طويل وشاق، وخطوته الأولى، أن نحدد أهدافنا واحتياجاتنا، ونهيئ أجيالاً تحب العلم، وتُعمِل الفكر، وتُجيد التخطيط. وأن تكون قيمة المرء بما عمل وطور، وليس بما عَلِم واستكان.
ثالثاً: يحلو لبعض الناس، في مثل هذه المناسبة، التغنِّي بأمجاد الماضي، بالحضارة الإسلامية، وبالتقدم العلمي، الذي كان، يوماً، مضرب الأمثال. فبينما أوروبا تعيش في ظلام وجهل وهمجية وحروب وقسوة، كانت جامعات الأندلس، في قرطبة وطليطلة وغرناطة، تشع علماً ونوراً وحضارة. حقاً، كان عهداً يفتخر به. ولكن هل البكاء على الماضي المضيء يصنع حاضراً مثله؟ وهل نركن إلى ماضينا، وننسى واقعنا ومستقبلنا؟ إن التغني بأمجاد الماضي، لا يصنع حاضراً، ولا يحقق أملاً، إلاّ إذا عُدّ نقطة انطلاق، وليس نقطة مباهاة فقط. فالمرء بما حقَّق بيديه، وليس بما وَرِثَه عن أبويه.
رابعاً: من يتتبع التاريخ، قديمه وحديثه، يجد أن العصور والأمم، ترتقي بازدهار العلوم فيها، وتنحط بانحطاطها. فالعصر العبّاسي، مثلاً، يعدّ من عصور العلم في مسيرة الحضارة العربية الإسلامية، بل الإنسانية جمعاء؛ وعهد الخليفة هارون الرشيد، يُعدّ ثورة في مجال العلم والعلماء؛ إذ شغف المسلمون، في عصره، بالاطلاع والاستزادة من العلوم والمعارف. أمّا ابنه، الخليفة المأمون، فشيّد أول مجمع علمي، في بغداد ضم مكتبة وهيئة للترجمة ومرصداً فلكياً. أمّا علماء العرب، فقد أثروا الحضارة الإنسانية، في مختلف المعارف والعلوم. فهذا ابن ماجد، في علم الملاحة؛ وابن النفيس، مكتشف الدورة الدموية، وصاحب أبحاث طبية شتى، فضلاً عن مؤلفاته في الفقه والحديث والفلسفة؛ وابن الهيثم، صاحب علم البصريات؛ والبتّاني، الذي اشتهر بأبحاثه الفلكية والرياضية، والذي جعل علم المثلثات علماً مستقلاً؛ والخوارزمي، أول من وضع كتاباً في علم الجبر؛ والزهراوي، الذي كان عالماً طبيباً، ورائداً في علم الجراحة؛ وجابر بن حيّان، صاحب علم الكيمياء؛ وابن خلدون، مؤسس ورائد علم فلسفة التاريخ والاجتماع؛ والبيروني، صاحب قانون في حساب المثلثات، الذي يحكى أنه طلب، وهو على فراش الموت، من عالمٍ يعوده، جواباً عن سؤال خطر له، فبكى العالم، وقال له: أعَلَى فراش الموت تطلب العلم؟ فردّ البيروني: أخشى أن ألقَى ربي جاهلاً.
هؤلاء هم الروّاد، هؤلاء هم القدوة. علماء يتذكرهم التاريخ، وتحترمهم الشعوب. فـالعلم لا حدود له، ولا وطن.
خامساً: إن الحصول على الدرجات العلمية، والتفوق فيها، لا يعني تميزاً علمياً، بقدر ما يعني القدرة على البحث العلمي، وهي أولى درجات النجاح العلمي. فهذه الدرجات، ليست إلاّ شهادات على أن حائزها قادر على الدراسة والتحليل، والإبداع واستقراء المستقبل. وبذلك، تكون مهمتكم قد بدأت، ومسؤوليتكم قد ازدادت؛ وأمانتكم تتطلب الوفاء.
سادساً: إن التفوق العلمي، لا يعني نهاية المطاف. إنما هو البداية الحقيقية لطريق شاق طويل. فالعلـم وسـيلة، وليس غاية، وسيلة لتحقيق الأهداف، في جميع المجالات؛ فالأهداف السياسية، لا تتحقق من دون علم؛ والأهداف العسكرية، لا تتحقق من دون علم؛ وإدارة الزوجة لبيتها وأولادها، لا تتحقق من دون علم. والتفوق خطوة نحو القدرة على العمل. فهو حالة من التميز الفردي، إنْ لم يتوخّ خدمة المجتمع وتطويره، أصبح عديم الفائدة. وتلك هي أولى مسؤولياتكم.
سابعاً: إن من يتفوق علماً ـ حقيقة ـ يَسمو خلقاً. فلا علم من دون خلق. وكلما ازداد المرء علماً، ازداد تواضعاً. فالكبر والغرور، لا يجتمعان في من يلتمس طريق العلم؛ إذ التواضع أبرز شيم العلماء. وفي رأيي، أن هناك أربع حالات، إذا ازداد نصيب المرء منها، ولم يزدد تواضعاً، كان ثمة خلل في شخصيته. الأولى: إذا ازداد علماً، ولم يزدد تواضعاً. والثانية إذا ازداد تفقهاً في الدين، ولم يزدد تواضعاً. والثالثة: إذا ازداد مالاً، ولم يزدد تواضعاً. والرابعة: إذا ازداد قوة أو مكانة أو جاهاً، ولم يزداد تواضعاً. ومعدن الإنسان، يتبلور في مثل هذه الحالات، فلا غرور بنعمة أنعمها الله على عباده. وليكن لنا في خلق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسوة حسنة.
ثامناً: إن مسؤولية العلماء والمتفوقين، جسيمة، تجاه أنفسهم، وتجاه أمتهم. فعلى أكتافهم تُبنى الأمم، وتُشيد الحضارات، وتَزدهر الصناعات، ويصبح لدولهم مكان مرموق، وصوت مسموع بين الدول. وكذلك، يمكن من طريقهم، أن تصبح دولهم على هامش الحياة، تأكل مما يزرعه الآخرون، وتلبس مما يصنعه الآخرون، وتعيش على ما حققه الآخرون من تقدم ورقيّ. لذا، فمسؤولية متفوقينا عظيمة، والآمال المعقودة عليهم كبيرة.
تاسعاً: يوافق الاحتفال بالجائزة هذا العام، ذكرى عزيزة على نفوسنا، ذكرى المئوية الأولى للمملكة، وذكرى مؤسسها جلالة الملك عبدالعزيز يرحمه الله. لست في صدد أن أعدّد مآثره وإنجازاته، ولكني أُذَكّر فقط، أنه أعاد بناء الدولة السعودية الثالثة، على أُسُـسٍ متينة من العلم والإيمان. كان العلم من أولى اهتماماته، فأسّس مديرية عامة للمعارف، في بداية توحيده للمملكة. وأنشأ المدارس، واستقدم لها المدرسين، وأرسل البعثات، على الرغم من قلة الموارد، آنذاك. شجّع العلماء، واستثمر طاقاتهم في التعليم والتوجيه، والإرشاد والإصلاح. حفل مجلسه بالعلماء والخبراء، يستنير بآرائهم، ويستفيد من خبراتهم. جعل العلم مورداً ينهل منه الجميع ودعامة لدولة عصرية الإمكانات، تواكب كل تقدم وتسخره، خدمة للدين والمجتمع.
عاشراً: من الواجب علينا، أن نتقدم بالشكر العميق، إلى كل من أسهم في إعداد المتفوق وساعده. الشكر لوالديه، اللذين كان لهما الفضل في توجيهه ورعايته. الشكر لأسرته، التي صبرت وتحملت، وهيأت له المناخ الملائم لدراسته. الشكر للهيئة التعليمية التي خططت فأحسنت التخطيط، ونفّذت فأحسنت التنفيذ، وأفرزت هؤلاء المتفوقين. ثم الشكر والتقدير لكل متفوق، جعل العلم له هادياً، وهدفاً، فأحسن الدراسة والتحصيل، فكافأه من لا يُضيع أجْرَ من أحسن عملاً.
أمّا العرفان بالفضل، فنرفعه إلى مقام مولاي خادم الحرمين الشريفين الذي أرسَى دعائم النهضة التعليمية، فبدأها ببضع عشرات من المدارس، فإذا بنا، الآن، ننعم بعشرات الألوف من المدارس والمعاهد والجامعات. عرفان لقائد مسيرة التعليم والتربية في وطننا الحبيب، وعرفان لسموّ سيدي ولي عهده الأمين، وسمو سيدي النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام، اللذيْن جعلا العلم والتربية، والخلق والانضباط، أساس كل تخطيط، ودافعاً إلى كل تطوير وتجديد، في الحرس الوطني والقوات المسلحة.
إخواني وأبنائي
لقد أضحت المعلومة في عصرنا قوة. فمن حازها امتلك القوة؛ وامتثالاً لتعاليم ديننا الحنيف، علينا الأخذ بكل أسباب القوة والمنعة. وأعتقد أن هذا هو المغزى الحقيقي، الذي أراده أخي صاحب السموّ الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز، من إنشاء هذه الجائزة، والاحتفال بها، كل عام. فسموّه، من خلال هذه الجائزة، يرسل، بذكاءٍ، رسائلَ أربعاً، كلٌّ منها لا تقل أهمية عن الأخرى. الأولى: إلى طلبـة العلم أنفسـهم، يقـول فيها: إن اهتمامنا الأكبر بالعلـم، طريقنا إلى القوة. والقوة لا تتأتى، إلاّ بسواعد المتفوقين. فعليكم بالتفوق لحمل الأمانة وتأدية الرسالة. والثانية: إلى القائمين على أمر التعليم، يقول فيها: نشكر لكم مجهودكم، الذي أفرز لنا هذه النخبة من المتفوقين. وعليكم تطوير خطط وأساليب، التعليم والتربية، معاً، لتخريج نابغين مفكرين مبدعين، فهذه هي رسالتكم. والثالثة: إلى رجال الأعمال المخلصين، يقول فيها: ها هم المتفوقون من بلدكم، فمدوا أيديكم إليهم، بحثاً وتعليماً، إذ القطاع الخاص، هو مرآة تقدم المجتمع، فكونوا عند حسن ظن الدولة بكم، فهذه هي مسؤوليتكم. والرابعة: إلى رجال الإعلام ذوي الحسّ الوطني، يقول فيها: فليـأخذ المتفوقون في مجالات العلم والبحث، المساحة اللائقة من اهتمامكم، في أخباركم وفي مطبوعاتكم، حتى يشعروا بقيمة إنجازهم، ويكونوا قدوة لغيرهم، فهذا هو واجبكم.
وفقكم الله
والسلام عليكم ورحمة الله.
|