|
ترجمة كلمة
في
حفلة عشاء
أقامها المديرون التنفيذيون لشركة ريثيون
بوسطن، ماساشوستس، الولايات المتحدة الأمريكية
17 نوفمبر 1998
السيدات والسادة
أيها الأصدقاء
أشكر لكم حسن استقبالكم، وأعبّر لكم عن عميق تأثري بما أوليتموني به من حرارة استقبال وتقدير.
كم هو جميل! أن أكون بين أصدقاءٍ، عرفتهم منذ زمنٍ بعيد، وأن تتاح لي الفرصة، لاستعراض ما أنجزناه معاً، خلال تلك السنين الطوال.
خمسة وعشرون عاماً مضت، في بداية العشرينيات من عمري، عندما زرت مقر شركة ريثيون، للمرة الأولى، هنا في بوسطن، وهو نفسه عمر ابني الجالس بين صفوفكم، الذي وُلد في العام عينه، عام 1973.
لقد قطعنا مشواراً طويلاً، معاً، ولم نصل بعد إلى نهايته. وإنني على يقين بأن الجميع، هنا، يشاركني الرأي أن المشاركة بين ريثيون والمملكة العربية السعودية، تمثل قصة نجاح عظيمة.
ولندع الأرقام تتحدث عن نفسها. فقد حققت ريثيون نحو ستة مليارات دولار، نتيجة تعاملاتها مع المملكة العربية السعودية، من خلال العقود المباشرة، ومبيعات الأسلحة للدول الأجنبية، على مدار العقود الثلاثة الماضية.
ولمزيد من التوضيح، أقول: إنّ ما حققناه في المملكة العربية السعودية، من قفزات عظيمة، في قدرتنا على الدفاع عن بلدنا، المترامي الأطراف، ضد أي هجوم، جوي أو صاروخي ـ يرجع الفضل الكبير فيه، إلى جهودنا المشتركة. فاليوم، أصبح لدينا، حقاً، ما نحتفل به.
كما أودّ، اليوم، أن أعبّر عن خالص شكري لشركتكم العظيمة، لما قامت به من عمل رفيع.
لقد اكتسبتُ من خلال تعاملاتي مع شركة ريثيون، في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، خبرة تعليمية مهمة. ويمكنني القول إنني دخلت مرحلة النضج الحقيقي في السبعينيات، عندما عُينت قائداً لبطارية صواريخ هوك ، في منطقة تبوك، التي كانت تُعدّ منطقة قاحلة نائية، شمال غربي شبه الجزيرة العربية. وكان وصول صواريخ هوك المطورة، وعقد"هوك الثلاثي"، الذي أعقب ذلك، من المحطات المهمة في مسيرة حياتي العسكرية.
وعندما تعود بي الذاكرة إلى تلك السنوات، لا يسعني إلاّ أن أوجه كلمة تقدير إلى بعض من سعدتُ بالتعامل معهم، من المسؤولين في شركة ريثيون.
فلن أنسى أبداً السيد تشارلز آدمز ، رئيس مجلس إدارة الشركة، خلال الفترة من 1964 إلى 1975، التي بدأت فيها علاقة شركة ريثيون بالمملكة.
لقد بدأ علاقته الطيبة بالمملكة وبأسْـرتي، عندما أقام مأدبة عشاء للملك فيصل، في نيويورك، عام 1966، حين اعتذر عمدة نيويورك، بوقاحة، عن استضافته. وبلا شك، كان ذلك لأسباب انتخابية.
وبعد ذلك، أظهر آدمز وداً خاصاً تجاهي، عندما زرتُ الولايات المتحدة الأمريكية، بعد حرب عام 1973 بفترة وجيزة، ورتب لقائي وزير الدفاع الأمريكي، في إدارة الرئيس نيكسون، اليوت ريتشاردسون، في مبنى وزارة الدفاع الأمريكية. وقد كانت تلك خبرة مفيدة لشابٍ، لم يتعد الرابعة والعشرين، علمتني كيف أنظر إلى الأمور الأكثر أهمية.
كذلك، لا يمكنني أن أنسى السيد توم فيليبس، رئيس الشركة، في الفترة من 1964 إلى 1975، ورئيس مجلس إدارتها، خلال الفترة من 1975 إلى 1991، الذي أثرى العلاقة بين المملكة العربية السعودية وشركة ريثيون، برؤيته الثاقبة، ونقلها إلى مرحلة مرموقة.
أتذكر كم كانت سعادتي! عندما علمتُ أنه كان يقول لزملائه: "ستكون المملكة العربية السعودية أفضل عملائنا على الإطلاق. تأكدوا من تقديم العمل لهم على أكمل وجه". وها قد فعلتم.
في أواخر الستينيات، عندما كان الدفاع الجوي السعودي في بداية تكوينه، كان جلين جربس Glen Grubbs، مديراً عاماً لشركة ريثيون، في المملكة. وقد عمل مديراً لمجمع ريثيون السكني، بالقرب من ساحل جدة. وكانوا يطلقون على ذلك المجمع اسم "شبه الجزيرة" Peninsula.
وفي الوقت، الذي كنتُ أبذل فيه قصارى جهدي، لتقديم أفضل ما عندي في علاقتي بشركتكم، كان جلين جربس مندوبكم، الذي كان عليّ أن أتعامل معه.
كثيراً ما كانت تحدث بيننا اختلافات في وجهات النظر، وكانت تشتد، في بعض الأحيان؛ إلاّ أنّ الاحترام المتبادل، كان يميز علاقتنا.
كما أودّ أن أوجه كلمة خاصة إلى صديقي العزيز جيم لويس Jim Lewis، الممثل الأول لشركة ريثيون في المملكة العربية السعودية، خلال الفترة من 1977 إلى 1993، والذي كان يُعدّ أهم شخصية في علاقة ريثيون بالمملكة، على مدى الستة عشرة عاماً الماضية.
فلن أنسى كفاحه الدؤوب في الإشراف على تحويل صواريخ هوك الأساسية، إلى صواريخ هوك المطورة، في الوقت الملائم، لمواجهة التحديات، التي تعرضنا لها، عام 1979، إبان الثورة الإيرانية، والحرب العراقية ـ الإيرانية، التي أعقبتها.
في السنوات القليلة الماضية، أُعجبت بالأسلوب، الذي تمكن به دينيس بيكارد، رئيس مجلس إدارة شركتكم، منذ عام 1991، من الانتقال بشركة ريثيون إلى أعلى مرتبة، بين شركات الصناعات الحربية الأمريكية، سواءً كان ذلك من طريق الاندماجات المهمة، أو ضم شركات عملاقة، أو الارتقاء بمنتجات الشركة.
استمر بيكارد في تحقيق إنجازات مميزة، في الوقت، الذي اضطر فيه الكثير من شركات الصناعات الحربية، على جانبي الأطلسي، إلى الاندماج، مواجهةً للمشتريات المتدنية. حقيقةً، لقد أضحيتم شركة عملاقة، تتقدم شركات العالم، في العديد من مجالات الصناعة المهمة.
ويُعد هذا ميراثاً رهيباً أمام دانيال بارنهام ، رئيس شركتكم الجديد، والمسؤول التنفيذي، الذي اثبت بالفعل قدراته الكبيرة.
إنني على ثقة من أننا سنرى نجاحات أكبر لشركة ريثيون، في المستقبل القريب.
السيدات والسادة
دعوني أضع العلاقة بشركة ريثيون، في إطار أوسع من العلاقات بين بلدَينا.
لقد كان التحالف وثيقاً بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة، منذ عهد الرئيس روزفلت وجدّي، الملك عبد العزيز. إنكم مهمون لنا، كما نحن مهمون لكم. وظل الاعتماد المتبادل بيننا طيلة عقودٍ عدة، وخلال أزمات شتى. ولا تقلّ صداقتنا، اليوم، متانةً عنها في السنوات الماضية.
ولتسمحوا لي، كصديقٍ، أن أعبّر في كلمة أو كلمتين، من وجهة نظرٍ شخصية، عن رؤيتي إلى الموقف الحالي في منطقتنا.
لقد أبلت الولايات المتحدة بلاءً حسناً في حرب الخليج؛ لقد كنتُ في موقع الأحداث، وشهدتُ ذلك بنفسي. ولكن من وجهة نظري، لم تؤدِّ دورها كما ينبغي، في إدارة عملية السلام.
وقد تتساءلون: أي سلام؟
إن انتصار الولايات المتحدة الأمريكية، في كلٍ من الحرب الباردة وحرب الخليج، لم يحقق السلام الذي نتمناه جمعياً.
وبدلاً من ذلك، وعلى النقيض، باتت الحرب حقيقة واقعة، في مناطق شتى من العالم. وقبل كل ذلك، فإن القضية الفلسطينية، لم تُحل بعد، على الرغم من الجهود المضنية للرئيس بيل كلينتون، في واي بلانتيشن، في ولاية ماريلاند، الشهر الماضي.
وكما تعلمون جميعاً، يُعدّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي واحداً من أشد تهديدات السلام خطراً، في منطقتنا. وينبغي تحقيق تسوية عادلة، ودائمة، إذا أردنا تجنب ويلات حرب أخرى.
لقد انقضت سبع سنوات، منذ مؤتمر مدريد، عام 1991، إلاّ إنّ الولايات المتحدة الأمريكية، لم تتمكن خلال تلك السنوات السبع، من تحقيق مبدأ الأرض مقابل السلام، الذي يُعد الأساس الوحيد لتحقيق تسوية دائمة.
ويؤسفني أن أقول أن مبدأ الأرض مقابل السلام، لم يُلتفت إليه، أثناء اجتماع واي؛ بل على النقيض، فرض رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مبدأه، وهو الأرض مقابل الأمن. طالب نتنياهو بضمان تحقيق الأمن المطلق لإسرائيل، قبل إعادة أي أرضٍ فلسطينية. وهذا مطلب يستحيل تحقيقه، كما يدرك أي عاقل.
هل في إمكان أي شخص، أن يضمن الأمن المطلق لإسرائيل، في الوقت، الذي يواصل فيه نتنياهو توسيع المستوطنات، والاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية؟
إن اتفاقية واي بلانتيشن، تفرض على ياسر عرفات مطالب مستحيلة، لا يستطيع تلبيتها، مهما حاول من جهد؛ فقدرته على إيقاف جميع الهجمات ضد أهداف إسرائيلية، لا تزيد على قدرة عمدة بوسطن على إيقاف كافة حوادث السرقة، كل ليلة سبت.
وللأسف، سيستغل نتنياهو كل حادثة عنف، ذريعةً لتأجيل الانسحاب من الأراضي الفلسطينية، أو إلغائه. وهو ما يفعله الآن. وبمعنى آخر، إن اتفاقية واي بلانتيشن، تحمل في طياتها عوامل فشلها.
حتى لو نُفذت نصوص اتفاقية واي بلانتيشن كاملة، وهو احتمال بعيد، فلن يحصل الفلسطينيون إلا على 18.2% من أراضي الضفة الغربية، في قطع صغيرة متناثرة، لا يمكن أن تشكل أساساً لدولة.
لقد اضطر الرئيس الأمريكي نفسه، إلى الدخول في مفاوضات متواصلة، استمرت تسعة أيام، لتسفر عن هذه النتائج الهزيلة. وأي أملٍ، سيبقى لتحقيق تسويةٍ نهائية، عادلة، ودائمة؟.
ربما يكون لفشل هذه الاتفاقية أثر في عدم استقرار المنطقة، مما يسبب أضراراً بالغة لمصالحنا ومصالحكم.
ينبغي علينا جميعاً، أن نفعل كل ما في طاقتنا، لتحقيق بعض التوازن الضروري، في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.
وكبداية، يجب على الطرفَين، الإسرائيلي والعربي، الالتزام بالاتفاقيات المبرمة بينهما، والتي ضمنتها الولايات المتحدة الأمريكية.
وكرجال أعمالٍ، فإنكم تدركون جيداً حرمة العقود؛ فالعقد شريعة المتعاقدين، ولا يمكن ولا ينبغي لأحد الطرفَين أن يوقف العمل به، أو فسخه، أو إعادة تفسيره، من تلقاء نفسه.
لقد وقّعت إسرائيل عدداً من الاتفاقيات المهمة مع الفلسطينيين: أوسلو 1، وأوسلو 2، والخليـل. ولا بد من الوفاء بها أولاً، روحاً ونصاً، وإلا تبخرت الثقة بين الجانبَين، وتوقفت عملية السلام.
أعتقد أن على الولايات المتحدة الأمريكية التزامات، شرعية وأخلاقية، تجعلها تطالب الجانبَين بمراعاة العقود القائمة بينهما. فضلاً عن العودة إلى مبدأ الأرض مقابل السلام، الذي يُعد السبيل الوحيد، أمام إسرائيل، لتعيش في سلام مع جيرانها العرب.
واليوم، تعيش منطقة الشرق الأوسط لحظة حرجة، يكتنفها الخطر. ويبدو أن المتطرفين، من الجانبَين، هم الفائزون.
إن الأمر يحتاج إلى شجاعة وحكمة، في واشنطن، وفي المنطقة، لنصل جميعاً إلى بر الأمان.
السيدات والسادة
أشكر لكم حسن استماعكم. كما أشكر لكم ما أوليتموني من كرمٍ وحسن ضيافة، خلال هذا اليوم البهيج، المملوء بالأحداث. وأعبّر لكم عن سعادتي بوجودي بينكم.
لقد عملنا معاً، في الدفاع عن بلدي، طيلة أكثر من ثلاثة عقود؛ وإنني على يقين بأننا سنواصل هذا التعاون، في السنوات المقبلة.
إن الولايات المتحدة الأمريكية، هي الدولة الوحيدة، التي يمكنها، اليوم، إظهار قوتها عالمياً. وهي القوة الوحيدة، والأكثر تأثيراً في الشرق الأوسط. ندعو الله أن يكون تأثيراً إيجابياً.
كما ذكرتُ، خلال حرب الخليج، وأثناء اجتماعي مع العاملين بالشركة، بعد ظهر اليوم، إذا كان ولا بدّ أن تكون هناك قوة عظمى واحدة في عالمنا، الذي يعج بالاضطرابات، فنحمد الله، أن هذه القوة هي الولايات المتحدة الأمريكية.
شكراً لكم جميعاً. وأتمنى لكم ليلة سعيدة.
|