|
بسم الله الرحمن الرحيم
طارق بن زياد
مدخل
ارتبط اسم طارق بن زياد بالأندلس لأنه القائد الذي باشر حركة الفتح (92هـ / 711م)، في شبه الجزيرة الأيبيريةIberian Peninsula، فدخل أهلها الإسلام، وتحول اسمها إلى الأندلس. وهناك رأي يرجح أن اسم الأندلس، مأخوذ من اسم قبائل الوندالVandals، التي تعود إلى أصل جرماني، احتلت شبه الجزيرة الأيبيرية، حوالي القرن الثالث، والرابع، وحتى الخامس الميلادي، وسميت شبه الجزيرة، باسمها: فاندلسياVandalusia أي بلاد الوندال. ثم تحورت الكلمة في العربية، إلى الأندلس .
وكان هذا الاسم، يطلق على شبه الجزيرة الأيبيريَّة كلها (أسبانيا والبرتغال). ثم قُصِر بعد ذلك للدلالة على المناطق، التي سكنها المسلمون وحكموها، من شبه الجزيرة الأيبيرية.
أما اليوم فإن كلمة (Andalucia :أنْدَلُسيَا) بالأسبانية، فُتطلق على المنطقة الجنوبية من أسبانيا، وهو تقسيم إداري، لا يمثل المعنى التاريخي لمصطلح الأندلس.
وطارق هو قائد حملة موسى بن نصير ، لفتح بلاد الأندلس. وهو مسلم من بربر شمال أفريقيا. وكان مولى لموسى بن نصير. اعتنق الإسلام على يديه، وتفتقت مواهبه العسكرية، وظهرت شجاعته وإقدامه صغيراً، فنال ثقة قائده، وحسن ظنه، وقد كان مثالاً للمسلم، الذي يُبْلي بلاء حسنا في سبيل دينه، مهما كان أصله الذي ينتمي إليه.
اسمه طارق بن زياد، بن عبدالله، بن ولغو بن ورفجوم، بن بتر غاسق بن ولهاص بن بطوفت. من قبيلة "نعزاوة" البربرية ، ومن أسرة اشتهرت بسبقها إلى الإسلام، وكان طارق من سبي البربر.
وكانت قبائل البربر، تحرص ـ أشد الحرص ـ على تسجيل أنسابها، وذكر سلالتها وحفظها، مثلما كان العرب يصنعون.
وذكر بعض المؤرخين، أن نسب طارق بن زياد، يرجع إلى أصول فارسية، وهو قول مردود لسببين:
|
الأول:
|
حرص البربر على تسجيل أنسابهم، وكذلك فعلت أسرة طارق.
|
|
الثاني:
|
ملامحه الشخصية الجسمية، التي سجلتها المصادر، وفيها دليل قوي على أصوله البربرية، التي لا تخطئها عين، ويقرها العقل والمنطق.
|
فالبناء الجسدي لطارق بن زياد، كما وُصفَ في المراجع التاريخية، أنه فتى طويل القامة، ضخم أشقر، ذو مهابة، توقره عيون الناظرين إليه. كما أن له عينين تقدحان نجابة وجرأة وإصرارا .
أولاً: فكرة الفتح وبداياته
أ. فكرة الفتح
يَرْجُح من الأخبار التي وردت عن فتح الأندلس، أن فكرة فتح شبه جزيرة أيبيريا، فكرة إسلامية، بل يروى أنها فكرة قديمة، تمتد إلى عهد الخليفة الراشد، عثمان بن عفان ، حيث كان القائد عقبة بن نافع الفهري ( توفي عام 63هـ)، عقب فتحه لشمال أفريقيا، يفكر في اجتياز المضيق إلى شبه جزيرة أيبيريا، لو استطاع.
ويروى أن أساطيل المسلمين عرفت نشاطاً على شواطئ أسبانيا الشرقية، وبعض جُزر (الجزائر الشرقية)Islas Baleares, Balearic Islands، القريبة منها وهي مَيُورْقَة Mallorca ـ كبراها ـ ومنورقة Menorca واليابسة Ibeza . ويذكر الذهبي في كتابه "العبر في خبر من غبر" (748هـ) أنه في سنة 89 هـ جهز موسى بن نصير. ولده عبدالله، فافتتح جزيرتي ميورقة ومنورقة .
ب. بدايات الفتح
ما كان للمسلمين أن يتجهوا إلى أرض القوط Goths، قبل أن يذعن المغرب لسلطانهم. وقد أمضى المسلمون في فتحه، أكثر من سبعين عاماً، بسبب شدة مراس البربر، وقوة شكيمتهم في المقاومة والحروب .
قاد حملات المسلمين، على قبائل البربر في المغرب، قادة عظام، مثل:
عبدالله بن الزبير ، وعقبة بن نافع الذي استشهد على أرض المغرب وقد أسس مدينة القيروان، التي اتخذها المسلمون، قاعدة للجهاد ـ فيما بعد ـ وكانت منطلق جنود المسلمين إلى أسبانيا.
بعد استقرار الأمر في بلاد المغرب، استشار موسى بن نصير، الخليفة في دمشق (الوليد بن عبدالملك 86 ـ 96هـ) في فتح شبه الجزيرة الأيبيرية. وقد تردد الوليد بادئ الأمر في القيام بهذا العمل الكبير، خوفا على المسلمين من المخاطرة في مفاوز، أو إيقاعهم في مهالك. لكن موسى بن نصير، أقنع الخليفة بالأمر، ثم اتفقا على أن يسبق الفتح اختبار المكان بالسرايا أو الحملات الاستطلاعية .
وتنفيذاً للاتفاق، أرسل موسى بن نصير، في رمضان (91 هـ /710م) سرية استكشافية، إلى جنوب شبة الجزيرة، عددها خمسمائة جندي، منهم مائة فارس على رأسهم طريف بن مالك الملقب بأبي زرعة، وهو مسلم من البربر. وقد اجتازت هذه السرية المضيق من سبتةCeuta، ونزلت قرب جزيرة بالوما أو فيها، في الجانب الأسباني. وقد عرفت هذه الجزيرة بعد ذلك باسم هذا القائد جزيرة طريف Tarifa.
عادت حملة طريف، بالأخبار المطمئنة والمشجعة على الاستمرار في عملية الفتح. فبعد أن درس القائد طريف أحوال المنطقة، وتعرف على مواقعها، أرسل رجاله إلى عدة أماكن، منها جبل طارق، وجاءت العيون بمعلومات كانت عوناً في وضع خطة الفتح، ونزول طارق بن زياد ـ فيما بعد ـ بجيشه على الجبل.
ويذكر المقري التلمساني حملة طريف في قوله: "فكتب موسى بن نصير إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبدالملك يخبره بالذي دعاه إليه الكونت جوليانCount Julian من أمر الأندلس، ويستأذنه في اقتحامها، فكتب إليه الوليد، أن خضها بالسرايا، حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال. فراجعه أنه ليس بحراً زَخَّاراً، إنما هو خليج منه يبين للناظر ما خلفه، فكتب إليه: وإن كان، فلا بد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه، فبعث موسى عند ذلك رجلاً من مواليه من البرابرة اسمه طريف، يُكنى بأبي زرعة، في أربعمائة رجل، معه مائة فرس سار بهم في أربعة مراكب، فنزل بجزيرة تقابل جزيرة الأندلس المعروفة بالخضراء، التي هي اليوم معبر سفائنهم ودار صناعتهم، ويقال لها اليوم جزيرة طريف لنزوله بها" .
ج. حملة طارق بن زياد
بعد رسم خطة البدء بعمليات الفتح، جهز موسى بن نصير، جيشاً من سبعة آلاف جندي من المسلمين البربر، ليس فيهم من المسلمين العرب إلا العدد القليل، واختار طارق بن زياد ـ والي طنجة ـ قائداً لهذه الحملة.
وفي العام التالي لحملة طريف، عبر طارق بجيشه، من سبتة إلى الطرف الأسباني، في الخامس من شهر رجب 92 هـ (أبريل 711م) .
وقد رَدَّدَ بعض المؤرخين، أن السفن التي عبر عليها طارق بن زياد، كانت سفن جوليان، حاكم سبتة.
لكن الباحث المحقق، يُرجّح أن المسلمين كانت لهم سفنهم، التي عبروا عليها لفتح الأندلس، منذ حملة طريف الاستطلاعية (91هـ / 710م). ويستند هذا الترجيح على الأدلة الآتية:
|
أ.
|
كان المسلمون مهتمين بصناعة السفن مبكراً، لإدراكهم شدة حاجتهم إليها، حيث أقاموا عدة دور لصناعة السفن، مثل دار الصناعة في تونس، التي أقامها الحسان بن النعمان الغساني والي الشمال الأفريقي (76 ـ 86هـ).
|
|
ب.
|
استخدم المسلمون السفن في الحروب التي خاضوها قبل ذلك، مثل تلك التي على شواطئ تونس عام 34هـ، وهي المعركة التي تسمى "ذات الصواري"، وكان عدد سفن المسلمين فيها يبلغ مائتي سفينة.
|
|
ج.
|
سبق للمسلمين نشاط حربي في الشمال الأفريقي، ففي سنة 46 هـ، وجه معاوية بن حُدَيْج ـ والي شمال أفريقيا ـ أسطولاً إسلامياً، عدته مائتا سفينة، لفتح صقلية . وفي سنة 86 هـ، ولى موسى بن نصير، عياتس بن أخيل، قيادة مراكب صنعت في تونس إلى صقلية.
|
|
د.
|
عبر طريف بن مالك المضيق بأربع سفن مع سريته إلى الأندلس. وكانت هذه السفن الأربع، هي التي عبر عليها طارق بن زياد وجنوده المضيق أيضاً .
|
كل ذلك، يؤكد أن المسلمين كانت لهم دُورهم التي أقاموها لصناعة السفن، وينفي مقولة أن السفن كانت لجوليان، حاكم سبتة.
وكانت نقطة تجمع الجيش الإسلامي في الطرف الأسباني، بعد أن عبر طارق بجنوده على جبل صخري، عرف فيما بعد بجبل طارقGibraltar، كما عُرف به المضيق. وقد سُمِّي هذا الجبل ـ بعد الفتح الإسلامي ـ أسماء أخرى، مثل: الصخرة، وجبل الفتح، لكن الشائع: جبل طارق .
ونزلت الحملة على الساحل الأسباني عام 92 للهجرة / 711م، وظلّت السفن توالي نقل الجند والعتاد، من الشاطئ المغربي، إلى الشاطئ الأسباني. على أن نزول طارق وجنوده عند سفح الجبل، لم يكن نزهة بحرية، فقد لقي مقاومة عنيفة، من جند القوط، الذين كانوا يحصنون السواحل الجنوبية، بحاميات عسكرية، تحسباً لأي هجوم متوقع. وهذا أمر طبيعي، خاصة بعد ما شقَّ جوليان، الطريق بحملته، ثم أتبعه طريف بن مالك، بسريّته الاستطلاعية.
يقول ابن الكرْدبوس التوّزي، وهو من مؤرخي القرن السادس الهجري، واصفاً عمليات إنزال جيش طارق:
"فمضى طارق لسبتة وجاز في مراكبه إلى جبل طارق، الذي سُمي باسمه إلى الآن، وذلك سنة 92 للهجرة. ووجد بعض الروم وقوفاً في موضع وطئ كان عزم على النزول فيه إلى البر فمنعوه منه، فعدل عنه ليلاً إلى موضع وعرٍ، فوطّأه بالمجاذف وبراذع الدواب، ونزل منه في البرّ وهم لا يعلمون، فشنَّ غارةَ عليهم وأوقع بهم وغنمهم" .
|