إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات عسكرية / القيادة Leadership





نموذج تاننباوم وشميدت المعدل
نموذج ليكرت
الشبكة الإدارية لبليك وموتون
أنماط القيادة في الشبكة
الشبكة الإدارية لريدن
أنماط القيادة في شبكة ريدن
نموذج برنارد باس
مقارنة الإنتاجية




الاستعداد القتالي وطائرة الكرملين

المبحث الخامس

العلاقة بين نجاح القيادة وفعاليتها ونموذج القيادة الفعالة

أولاً: العلاقة بين نجاح القيادة وفعاليتها

1. الفرق بين القيادة الناجحة والقيادة الفعالة

أ. من الأهمية بمكان أن يُعْرَفْ أن هناك فرق بين "القيادة الناجحة" Successful  Leadership، و"القيادة الفعالة" Effective  Leadership، ويقدم "برنارد باس" Bernard Bass، نموذج للتمييز بينهما. (اُنظر شكل نموذج برنارد باس)

ومن النموذج يتضح أنه إذا حاول القائد (س) أن يؤثر على المرءوس (ص) لدفعه لأداء عمل معين، فإن نجاح محاولة (س) أو عدم نجاحها، سيتوقف على ما إذا كان (ص) قد أنجز العمل أم لم ينجزه. ولكن الأمر ليس في الحقيقة، نجاح أو عدم نجاح، فقط، بل هو مدى النجاح في إنجاز العمل، على مقياس يحدد درجات النجاح.

ومع افتراض أن محاولة التأثير تلك، أو (محاولة القيادة)، كانت على منطقة النجاح من المقياس، فهل يعني هذا أن عملية القيادة كانت فعالة؟

والإجابة ـ حقيقة ـ تتوقف على ما إذا كان نمط القائد (س)، قد جاء ملائماً لتوقعات (ص)، أم لا؟ وعلى ما إذا كانت استجابة (ص)، قد جاءت بسبب سلطة المركز، الذي يشغله (س)، أم لأسباب أخرى؟ فإذا كان نمط (س)، قد جاء غير متفق مع توقعات (ص)، وأن (ص) قد أضطر إلى إنجاز العمل بسبب تأثير سلطة مركز (س)، في الثواب  والعقاب، فإن محاولة التأثير لا تكون فعالة.

وخلافاً لذلك، فإذا كان نمط القائد (س)، قد جاء ملائماً لتوقعات (ص)، وأن (ص) قد أدى العمل بحماس، لأنه رآه مجزياً، ويريد أن يؤديهً. كما أن (س) لم يستخدم سلطات المركز، الذي يشغله في تحريك (ص) لإنجاز العمل، بل استغل قدراته الذاتية في إقناع (ص)، بأهمية إنجاز ذلك العمل. في هذه الحالة، تكون محاولة التأثير (محاولة القيادة) فعالة.

ب. وكما يتضح من النموذج، أن النجاح قد يؤدى إلى الفعالية، إذا ما جاء النمط القيادي ملائماً لتوقعات التابعين، ولظروف الموقف القيادي ومحدداته. ومعنى هذا، أن القائد إذا كان يهتم فقط "بالنجاح"، فإنه سيخطط العمل تخطيطاً تفصيلياً لتابعيه، وسوف يعتمد، في دفعهم لتحقيق الهدف المطلوب، على سلطات مركزه في التنظيم الرسمي، وسوف يباشر إشرافاً دقيقاً على الأداء. بينما إذا كان اهتمام القائد على الفعالية، فإنه سوف يعتمد على قوة نفوذه الذاتية، وسوف يفوّض سلطاته إلى تابعية، وسوف يباشر إشرافاً غير مركزٍ على الأداء.

ج. ومن الأمثلة، التي توضح الفرق بين "القيادة الناجحة" و"القيادة الفعالة"، ما يلي:

(1) لو أن مديراً طلب من مرؤوسيه، أن ينفذوا أشياء محددة ونفذوها، فإنه يقال إن هذا المدير نجح في تحقيق ما أراده، ولكن ذلك لا يؤكد "الفعّالية". فإذا كان مرؤوسوه قد قاموا بتنفيذ العمل خوفاً من العقاب أو سعياً وراء الحوافز، التي يملكها ذلك المدير، فيوصف ذلك المدير بأنه "ناجح" ولكنه "غير فعّال" لأن مرؤوسيه أجبروا على التنفيذ.

ومن ثم، فإنهم يؤدون ما يخلي طرفهم من المسؤولية الآن، ولا يهمهم المستقبل. إنه نجاح مؤقت، على حساب المستقبل.

ومن ناحية أخرى إذا طلب مديرٌ من مرؤوسيه أن ينفذوا أشياء محددة، فنفذوها لأنهم يريدون ذلك، ولأن في تنفيذها تحقيق لأهدافهم أيضاً، فإن هذا المدير يكون مديراً ناجحاً وفعّالاً. إنه "ناجح" لأنه حقق الأهداف، التي طلبها منه رئيسه، و"فعّال" لأنه حقق الأهداف المطلوبة منه بحكم منصبه (حيث تكون المتطلبات هنا أكثر من متطلبات الرئيس، ومتطلبات المرؤوسين مثل متطلبات العمل ذاته). إن معنى ذلك عملياً، أن المدير الناجح هو الذي يستخدم السلطة بحكم منصبه. أما المدير الفعّال فهو الذي يعتمد على سلطته الشخصية، إضافة إلى سلطته الرسمية.

إن الفرق بين المدير "الناجح"، والمدير "الفعّال"، يوضح كيف أن كثيراً من المديرين يحصلون على مستوى مقبول من النتائج، طالما كانوا موجودين في مواقعهم، يلاحظون العمل ويتابعونه. ولكن حال تركهم العمل أو تغيبهم، فإن الإنتاج ينخفض، وتحدث أشياء كثيرة وربما تصل إلى حد الإضراب والفوضى والانهيار.

(2) إن مفهوم "الفعّالية" هذا، يكون واضحاً في العائلة كذلك. فإذا كان الوالدان ناجحان وفعّالان، فإن الأولاد سيعتبرون أهداف الأسرة هي أهدافهم. وعلى ذلك، فإذا غاب الأب عن الأسرة أسبوعاً، فإن سلوك الأولاد في غيبته، سيكون مثله في حضوره. أما إذا كان الوالدان يعتمدان على سلطتهما فقط، فإن الأولاد سيتصرفون وكأن أهداف والديهما ضد أهدافهما. فهم ينضبطون فقط خوفاً من العقاب، وسعياً وراء المكافأة، فإذا ذهب الوالدان في رحلة، فإنهما سيكتشفان الفوضى والتدهور، عند عودتهما.

وعلى ذلك يمكن أن نخلص، إلى أن المدير يمكن أن يكون ناجحاً، ولكنه على الرغم من ذلك غير فعّال، لأنه مؤثر على سلوك الآخرين، في المدى القصير فقط.

ومن ناحية أخرى، فإذا كان المدير ناجحاً وفي الوقت نفسه فعّالاً، فإن تأثيره سيؤدي إلى تطوير تنظيمي، وإلى كفاءة إنتاجية على المدى الطويل.

2. مقومات القيادة الفعالة

يتطلب نجاح القيادة وفعاليتها، توافر مجموعة من الشروط، أو المقومات، نوضحها فيما يلى:

أ. وفر مجموعة من السمات الشخصية والمهارات في القائد، سواء من الناحية الاجتماعية أو الجسمانية أو العقلية. ولكن هذا لا يعنى أن توفر مثل هذه الصفات، تؤدى بالضرورة إلى القيادة الناجحة، لوجود عوامل وجوانب أخرى مؤثرة.

ب. درجة قبول الجماعة للقائد: ويرتبط ذلك بسلطة القائد، سواء الشخصية أو الرسمية، وفقاً لقدراته الخاصة أو وظيفته. وقد يكون القائد لا يشغل مركز مسؤولية في التنظيم، ولكن في حالة شغله، تزداد درجة القبول، وتزداد قوة تأثيره على سلوك المرؤوسين، وتوجهه نحو الأهداف التنظيمية المشتركة.

ج. تركيز القائد على الجماعة، وحاجاتها، مع ضرورة التوافق بينها وبين الأهداف العامة للمنشأة. ومن الطبيعي أن تختلف أهداف الجماعات وحاجاتها. فحتى الجماعة الواحدة، تتباين أهدافها من فترة إلى أخرى، ولكن مع ذلك، فإنّ الحاجات العامة لمعظم الجماعات، إما أن ترتبط بالعمل، أو بالحاجات المادية، أو النفسية، لأفرادها.

د. توفير مناخ العمل المناسب. ويرتبط ذلك باستقرار سياسات المنشأة، وأنظمة العمل بها، وتدعيم مفهوم العلاقات الإنسانية، ومشاركة العاملين في الإدارة، مع وجود أنظمة متطورة للمعلومات والاتصال.

هـ. إلى جانب هذه المقومات، هناك أربعة عناصر أساسية، يلزم تواجدها للنجاح في ممارسة القيادة العسكرية، وتحقيق فعاليتها، وهي:

(1) الضبط والربط

يُعد الضبط والربط العسكري من أهم المقومات الأساسية لنجاح القيادة العسكرية.

(2) الروح المعنوية

تُعد الروح المعنوية، من أهم عوامل النصر، فهي التي تبعث الإيمان بالنصر، وتولد العزيمة الجبارة، التي تواجه الموت بصدر رحب، وهي السلاح الخفي في الحرب، كما قال عنها نابليون "إن الرجل المسلح بهذه الروح، يساوي ثلاثة رجال غير مسلحين بها".

(3) روح الفريق

تُعد روح الفريق في أداء العمل، عاملاً قوياً في زيادة كفاءة الوحدة العسكرية، لما لروح الفريق من أثر بالغ، في ازدياد مستوى الضبط والربط، والروح المعنوية.

(4) الكفاءة

المقصود بالكفاءة: قدرة القائد على إنجاز العمل، وتنفيذ المهمة بنجاح، في الوقت المحدد، والمكان المحدد، بأقل إمكانات، وأقل خسائر، في الأرواح والمعدات.

ثانياً: نموذج القيادة الفعالة، والعوامل المحدد لها

1. من خلال استعراض النماذج القيادية المتعددة، وعلى ضوء الظروف المحيطة بالعمل في المنظمة، والمتمثلة في اختلاف نوعية الأفراد، والكفاءة الإدارية، والتاريخ القيادي، يبرز السؤال عن: ما هي النماذج الإدارية الأكثر فاعلية؟

انتهت دراسات "روبرت بليك" Robert Blake، "وجين موتون" Jane Mouton، التي تمت بهذا الصدد، وظهرت في كتابهما "شبكة الأنماط القيادية" The Managerial Grid. إلى أن أحسن نمط هو نمط القائد الذي يهتم كثيراً بالعمل، ويهتم كثيراً في الوقت نفسه بالعلاقات، وأن أسوأ قائد هو الذي يكون اهتمامه بالعمل قليلاً، واهتمامه بالعلاقات قليل في الوقت نفسه.

هذا، في الوقت الذي انتهت فيه دراسات "رنسس ليكرت" Rensis Likert في جامعة "متشيجان" Michigan، إلى أن القادة المهتمين بالعلاقات، بشكل أكبر من اهتمامهم بالعمل، هم القادة الذين يحققون نتائج أفضل، قياساً بمستوى النتائج التي حققوها. ولكن النتائج التي توصل إليها تثير عدة أسئلة، عما إذا كان هناك نمط نموذجي واحد تحت كل الظروف، حيث ظهر في دراساته، أن بعض القادة، الذين كان اهتمامهم بالعمل أكثر من اهتمامهم بالعلاقات، كانوا ذوي فاعلية كبيرة (قياساً بمستوى النتائج).

كما حدد "وليام ريدن" William J. Reddin، في النموذج الخاص به، أربعة أنماط أساسية للقيادة، ترتبط بالعمل والعلاقات بالمرؤوسين. وميز بين الأنماط الملائمة للمواقف المختلفة، ولكنه لم يذكر النمط المثالي الوحيد، الذي يمكن أن نقول إِنَّه الأصلح في كل المواقف، بل حدد أن الفعالية تنتج، من ملائمة النمط الأساسي للموقف.

2. يتضح من العرض السابق، أنه لا يوجد نمط معين من القيادة، هو الأفضل بصورة مطلقة. وكل نموذج قيادي خاص، له مزايا وعيوب، والنموذج الذي يلائم مواقع تنظيمية معينة قد لا يتلاءم مع موقع آخر. كما أن الأفراد، الذين يتميزون بخصائص خاصة، سواء في درجة الثقافة، أو الخبرة أو المهارة أو الرغبة في تحمل المسؤولية، يؤثرون في تحديد النمط المناسب. كما أن مفهوم القائد وخصائصه، لهما تأثير فعال في أسلوب قيادته.

ومن ذلك، يُستَخْلَصْ، أن "النمط القيادي الفعال" Effective Leadership Pattern، يختلف باختلاف الموقف. والقائد الفعال، يجب أن يدرس الموقف بكل عناصره، المتمثلة في:

أ. المرؤوسين.

ب. المعاونين.

ج. تكنولوجيا العمل.

د. المناخ العام السائد للمنظمة.

3. وكل عنصر من العناصر السابقة، له متطلبات من القائد. وفي محاولته الوصول إلى قرار معين، يجب عليه أن يعرف طبيعة هذه المتطلبات، ويتعامل معها، وإلاّ أثرت على فاعليته. وبعد دراسة الموقف يختار النمط القيادي الفعال، الذي يحقق له تعاون المرؤوسين، وتحفيزهم للعمل، وتحقيق الأهداف المشتركة للعاملين والمنظمة. والآتي بعد توضيح، لهذه العناصر:

أ. مفهوم القائد وخصائصه

تُعد خصائص القائد، من المتغيرات الرئيسية المحددة لنموذج القيادة. ومن الطبيعي أن يتبع القائد النموذج، الذي يتلاءم مع مفهومه ومعتقداته ورؤيته. فمثلاً القائد القوي، الذي يثق في نفسه، وفي الوقت نفسه، لا يثق في قدرات مرؤوسيه، سوف يكون النمط الأوتوقراطي هو أكثر النماذج مناسبة له. كما أن خبرة القائد ومعرفته لهما تأثير على نمطه. فالقائد الذي لديه خبرة واسعة بمجال العمل، قد لا يقبل رأي معاونيه أو مشورتهم.

وتُعد رؤية القائد لنفسه ولمرؤوسيه، من الجوانب المهمة، التي تحدد أسلوب قيادته. فالقائد العسكري، قد يغير من أسلوب إدارته، إذا ما أشرف على مجموعة من العلماء، أو موظفي الحكومة، أو الشركات، كما أن استقرار المركز التنظيمي الذي يشغله القائد، قد ينعكس على نمط قيادته. فالقائد المترقي إلى وظيفة حديثاً مثلاً، قد يكون أكثر تشدداً وتمسكاً بالسلطة، عن آخر يحتل مركزه منذ فترة طويلة، والذي يرى أن مشاركة المرؤوسين، لا تقلل من مقدرته القيادية.

والقائد المنتخب، عادة، يشترك مع من يقودهم في أكبر عدد من الصفات، كما يشترك مع تابعيه في اهتماماتهم. أما إذا كان القائد معيناً، فيكون موقفه دقيقاً، فهو مُطَالَبْ ـ على الأقل من الناحية الأدبية ـ بخدمة أهداف من عينه، ومُطَالَبْ، في الوقت نفسه، بأن يحقق أهداف التابعين. ومن ثم، يكون القائد مطالباً بتحقيق توازن تام بين هذين الاتجاهين. وقد أثبتت التجارب أن القائد، الذي يشغل منصبه بالتعيين، لا يستطيع ممارسة دوره القيادي، قبل أن يصبح أولاً، واحداً من أفراد الجماعة. بمعنى قبوله لتقاليدها، التي تكوّنت قبل انضمامه إليها. وهذا يؤكد أنه، وإن كان أقوى من أي فرد في المنظمة، إلاّ أنه أضعف من الجماعة كوحدة متكاملة. وبعبارة أخرى تكون العلاقة بين القائد وتابعيه، ذات تأثير متبادل، تجعل القائد يقبل الجماعة، قبل أن تقبله الجماعة.

ب. خصائص المرؤوسين

يختلف المرؤوسون فيما بينهم، سواء من ناحية مهاراتهم، أو قدراتهم، ورغبتهم في المشاركة وتحمل المسؤولية. فإن كانوا ـ مثلاً ـ يتمتعون بمهارات عالية، وثقافة مرتفعة، فإن ذلك يتيح لهم القدرة على المشاركة في اتخاذ القرارات، مما يؤدي إلى اتباع القائد نمطاً في القيادة، يتلاءم مع هذه الخاصية، (النمط الديمقراطي). ومن ناحية أخرى، قد لا يكون المرؤوسين على دراية وخبرة، تسمح لهم بالمشاركة، وبعضهم لا يرغب في تحمل المسؤولية، ويتجنبها بقدر الإمكان، ولذلك قد يكون النمط المناسب، مع هؤلاء (النمط الأوتوقراطي).

ج. طبيعة المناخ

تؤثر المواقف وطبيعتها على نمط القيادة المناسب. فالمواقف المعقدة مثلاً، التي تحتاج إلى رؤية أكثر من شخص لفهمها وتحليلها، يلائمها، عادة، نموذج القيادة التشاوري أو المشارك، في حين أن المواقف العادية والمتكررة، قد يلائمها النمط الأوتوقراطي. كما أن الوقت، الذي يحدث فيه الموقف، ومدى الحاجة إلى سرعة اتخاذ القرار، ينعكس بشكل واضح على نموذج القيادة المناسب. ففي حالة إنجاز مهمة تؤثر على مركز المنشاة ككل، قد يلائمها النمط الأوتوقراطي، خلافاً لإجراء بحث يستمر عدة سنوات، قد يكون النمط الملائم له القيادة الديموقراطية. بل أكثر من هذا، فإن أهداف التنظيم ومبادئه وطبيعة هيكله، تؤثر في النمط المناسب، فمثلاً: إذا كانت المنشأة تركز على الربح والتكاليف بالدرجة الأولى، كهدف رئيسي، فإن ذلك قد يؤدي إلى الإدارة الأوتوقراطية، بخلاف المنشآت، التي تهتم بمعنويات العاملين، والمحافظة على قوة العمل بها.

4. ومما تقدم، يصعب إعطاء نصيحة بإتباع أسلوب محدد في القيادة، فذلك من شأن القادة والظروف المحيطة بهم، إلاّ أن هناك بعض الدراسات، التي عُملت في هذا الإطار سيتم عرضها، ويُترك للقارئ استخلاص رأيه الخاص حول تعزيز أي النماذج للقيادة الإدارية، هو الأفضل:

أ. القيادة الديمقراطية

(1) دلت الدراسات الميدانية، التي أجريت في السنوات الماضية، عن عملية الإشراف الإداري، أن نموذج القيادة الديموقراطية، هو أكثر نماذج القيادة فعالية، قياساً بغيرها من النماذج. نظراً لما يعطيه هذا النمط القيادي، من أهمية قصوى للمرؤوسين.

(2) ففي عام 1947، قام "معهد البحوث الاجتماعية" في جامعة متشجان، بالولايات المتحدة الأمريكية، بدراسة واسعة النطاق حول نماذج القيادة، بهدف اكتشاف الاختلافات في القيادة الإدارية، بين عدد من الوحدات الإدارية، الأكثر فعالية وإنتاجية، وبين وحدات أخرى أقل وأضعف، فعالية وإنتاجية.

وقد شملت هذه الأبحاث عدداً كبيراً من الصناعات المختلفة، والمستويات المهنية بهذه الصناعات، كانت نتيجتها على النحو الموضح (شكل مقارنة الإنتاجية):

(3) ومن خلال الشكل السابق يتضح من دراسات جامعة "ميتشجان"، أن ستة أقسام من مجموع سبعة أقسام، كانت ذات إنتاجية مرتفعة، لأنها كانت خاضعة لإشراف قادة إداريين، يعطون أهمية للموظفين لا للإنتاج.

وبالمقارنة، فإن من مجموع عشرة أقسام، كانت سبعة أقسام ذات إنتاجية منخفضة، لأن القيادة الإدارية فيها، كانت تركز اهتمامها على الإنتاج، لا على الموظفين. وقد أبدى أحد القادة الإداريين في الأقسام، ذات الإنتاجية المنخفضة، وجهة نظره على النحو التالي: "إن التركيز والاهتمام بالموظف، أمر مقبول، لكنه غير مثالي. إن مهمتي؟، كما أعتقد، تنحصر في الضغط على الموظفين، لتحقيق أهداف الإنتاج، وحينما يتحقق هذا الهدف، فلا مانع لدي بعد ذلك، من أن أولى اهتماماً خاصاً بالعاملين وبمشاكلهم".

أما أحد القادة المهتمين بالموظفين، في الأقسام ذات الإنتاجية المرتفعة، فقد أبدى وجهة النظر التالية: "إن المبدأ، الذي أستخدمه في تحقيق أقصى إنتاجية ممكنة، يتمثل في إعطائي حرية العمل، لمن معي من الموظفين، في إنجاز المطلوب منهم، وإنني أحاول أن أظهر لهم أنهم مهمون جداً، وأنصحهم بالطريقة التي يفضلونها، وبما يحقق لنا في النهاية، الأهداف المنشودة".

(4) وقد أكدت مجموعة باحثي "ميتشجان"، هذه النتائج، مرة أخرى، عند تطبيقها على شركة "جنرال موتورز". فبعد تطبيق أسلوب القيادة الديموقراطية، بمنهج "الإدارة بالاشتراك" زادت الإنتاجية تباعاً.

(5) والاستنتاج النهائي، الذي يمكن استخلاصه من هذه الدراسات، هو أن المديرين الناجحين هم، غالباً، ممن يمنحون مرؤوسيهم حرية أوسع في العمل. وكمثال لهذه الحرية، فإن هؤلاء المديرين يسمحون لمرؤوسيهم باتخاذ القرارات الخاصة، بكيفية تنفيذ الأعمال المطلوبة منهم، وليختاروا بأنفسهم، الطرق التي تمكنهم من تحقيق الأهداف.

على أن هذا الاستنتاج، لا يمنع بأن يكون نموذج القيادة الإدارية الأتوقراطية (التحكمية) ذا فعالية وإنتاجية، تحت وطأة ظروف معينة.

كذلك، يجب أن نضيف بأن ديمقراطية الإدارة، لا تعني إطلاقاً تنازل المديرين عن السلطة، ولا تعني تفويضاً مطلقاً للمرؤوسين. وإنما تعني تفويض بعض السلطات والصلاحيات للموظفين، يعملون في إطارها، ودون تجاوز لها.

كذلك، فإن ديمقراطية الإدارة، لا تعني، أيضاً، أن ينعدم دور المدير في التخطيط، والتنظيم، والرقابة، واللجوء إلى استخدام سلطته الرسمية، واتخاذ القرارات الفردية العاجلة في الحالات الطارئة، التي لا تحتمل الوقت والانتظار.

ب. الإدارة بالمشاركة Management by Participation

الإدارة بالاشتراك اصطلاح معاصر، وهو نابع أصلاً من مفهوم القيادة الديمقراطية، في الإدارة. وتقوم فلسفة هذا النوع من الإدارة، على قيام المدير بعرض المشكلات الإدارية على مرؤوسيه، ثم تداول النقاش فيها، ومن ثم اتخاذ القرار الجماعي بخطوات العلاج.

(1) طبيعة وفوائد الاشتراك في الإدارة

(أ) اشتراك المرؤوسين في العملية الإدارية واتخاذ القرارات، هو أحد نماذج القيادة الديموقراطية، التي اكتسبت اهتماماً خاصة من كتاب وممارسي الإدارة في الفترة الراهنة، ويعني الاشتراك في الإدارة إشراك المعاونين، أو المرؤوسين في المستويات الإدارية أو التنفيذية، مع رؤسائهم من المديرين، وبطريقة مباشرة، في العمليات واتخاذ القرارات، وذلك يؤدي إلى تشجيع ودعوة الأفراد إلى الاشتراك مع رؤسائهم، في تحمل مسؤولية القرارات، وهو اتجاه قلما تتحمس له كثير من منظمات الأعمال.

(ب) والاشتراك في الإدارة، يحمل مزايا وفوائد مشتركة للمرؤوسين والرؤساء، فمن ناحية المرؤوسين، فإن الاشتراك في القرارات، فيه تنويع وتشكيل لواجبات الموظف، الذي قد يتعرض للملل أو السأم، من واجباته اليومية الروتينية.

كذلك فإن اشتراك المرؤوس في الوقوف على جوهر المشكلات، التي تواجه الإدارة، وتبادل وجهات النظر بينهما، ثم مناقشة الاقتراحات، يعطي فرصة واسعة للمرؤوس، للتعرف عن قرب على نوعية المشكلات، ومن ثم يكون أكثر تحمساً في المساعدة في حلها.

كما أن اشتراك المرؤوس في مناقشة المشكلات، والنشاطات، أو العمليات مع رئيسه، وزملائه، يشبع لديه غريزة الشعور بالأهمية والتقدير، واحترامه لذاته ووظيفته، وتزداد قيمته لنفسه، إذا ترتب على هذا الاشتراك تحقيق إنجازات، كان له نصيب في مناقشتها، واقتراح حلول لها.

(ج) أما من ناحية الإدارة أو المنظمة، فإن اشتراك المرؤوسين في الرأي، حول بعض النشاطات، والقرارات الإدارية، له فوائد متعددة. ومن هذه الفوائد اكتشاف الخامات الطيبة، وذوي الأفكار الجادة بين المرؤوسين. كذلك، فإن اشتراك هؤلاء، فيه إذكاء لحماسهم ولقدراتهم، قد تستفيد منها المنظمة. وقد دلت الدراسات الميدانية في هذا النطاق، على أن اشتراك المرؤوسين في الإدارة، واتخاذ القرارات، قد ترتب عليه في كثير من الحالات، ازدياد الكفاءة الإنتاجية وتحسين نوعية الإنتاج. كذلك، فإن هذا الاشتراك قد يخفف من حدة المعارضة بين المرؤوسين، عند إحداث تغييرات معينة في أسلوب الإنتاج، أو أداء الخدمات، بل إن هذه التغييرات، قد تكون من نتائج المشاركة في الإدارة، الأمر الذي يجعل اقتناع المرؤوسين بجديتها، أسهل مما لو كان هذا التغيير مفاجئاً لهم.

(2) متطلبات تطبيق أسلوب الإدارة بالاشتراك

تدل الدراسات الميدانية والنظرية في هذا المجال، على أن تطبيق أسلوب الإدارة بالاشتراك، ليست عملاً سهلاً، يمكن تطبيقه في جميع الظروف. ذلك أنه لكي يمكن ممارسة هذا النوع من الإدارة الديمقراطية، لا بد من توفر شروط خاصة. يمكن إجمالها في الآتي:

(أ) المستوى العلمي والثقافي للمرؤوسين

يعني الاشتراك في الإدارة، أن المرؤوس يستطيع أن يقدم شيئاً ذا قيمة وفائدة لقسمه وللمنظمة، من خلال تداول الآراء، وعرض الاقتراحات. وإذا ما تبدد هذا الافتراض، تبخرت تبعاً لذلك فرص مساهمة المرؤوس في إنجاح هذا الأسلوب. ويعتمد مقدار ما يُسهم به المرؤوس، في عملية الاشتراك في الإدارة، على ما يملكه من حصيلة عملية وثقافية، وعلى المشكلة موضع البحث والتداول.

فإذا كانت أبعاد المشكلة، أكبر وأعمق من أن يسمح له مستواه العلمي والثقافي باستيعابها، والاشتراك في وضع الحلول لها، فإن اشتراكه في هذه الحالة، يُعدُّ مضيعة للوقت والجهود.

وعلى أي حال، يجب ألاّ يُثْنيِ ذلك، عن محاولة استغلال قدرات المرؤوسين، حتى وإن كانت محدودة، في بعض المشاكل الثانوية، بحجة افتقادهم للأسس العلمية الثقافية.

(ب) التكامل النفسي للمرؤوس

لكي تصبح عملية الاشتراك في الإدارة ذات قيمة وفعالية، فإن ذلك يتطلب توفر بعض الشروط السيكولوجية في المرؤوس. وأول هذه الشروط أن يكون المرؤوس مهيئاً نفسياً للاشتراك في قرارات الإدارة، وبحث مشاكلها. كذلك، يجب أن يكون على قدر معقول من الذكاء، وأن يكون واقعي التفكير والتصرف، ويجب أن يرحب بمبدأ المشاركة، وألا يكون أسير فكرة تنزيه رئيسه من الخطأ، وديمومة صواب قراراته. كذلك، يجب أن يكون المرؤوس على إدراك شامل، بمعنى المشكلات التي تواجه إدارته، وانعكاس تأثيرها عليه، وعلى مستقبله الوظيفي، وأن يكون قادراً، وبصورة لا تقبل اللبس والغموض، على التعبير عن مرئياته، تجاه المشاكل موضع البحث والتداول.

(ج) توفير الأجواء الملائمة في المنظمة

يجب أن تسمح ظروف العمل بالمنظمة، بتشجيع أسلوب الإدارة بالاشتراك. فمثلاً من الصعب أن يقوم أحد المديرين في منظمة، يُعْرَفْ عنها أسلوب ديكتاتورية الإدارة، بتطبيق أسلوب الإدارة بالاشتراك، لأن هذا التصرف قد يثير معارضة زملائه من المديرين، أو من الإدارة العليا، أو لأن المرؤوسين في هذا القسم من المنظمة، قد يفسرون اشتراكهم في القرارات، على أنه ضعف في الكفاءة الإدارية للمدير. وهذا يعني، أنه لكي يمكن تطبيق الإدارة بالاشتراك في المنظمة، فلابد أولاً من اقتناع الإدارة العليا بفوائد تطبيقه، لكي يصبح إقناع الآخرين بذلك، أمراً سهلاً ومقبولاً.

(د) شعور المرؤوسين بالاستقرار

إذا أحس المرؤوس أن الاشتراك في الإدارة، لعبة تهدف إلى كشف مواقفه ونواياه أمام رئيسه، فإن كثيراً من المرؤوسين، لن يبدوا اهتماماً بهذه العمليات، ولربما اعتبروها نوعاً من المكيدة المدبرة. ذلك أن الاشتراك في القرارات، أو تبادل الآراء، حول قضايا إدارية معينة، قد يثير لدى بعض المرؤوسين، ذكرى بعض المواقف الأليمة من قبل الإدارة أو المدير، وقد يؤدي ذلك إلى انتقادهم للقرارات السابقة للإدارة، أو الاحتجاج على تصرفات إدارية قائمة، سواء كان ذلك يتعلق بالممارسات الإدارية، أو العلاقات الإنسانية.

لهذا، فإن إحساس المرؤوس بأن عملية الاشتراك في الإدارة، لن تعرضه للخطر، مثل الفصل، أو التجميد في الترقية، قد يشجعه على التحمس لهذا الأسلوب، والتجاوب معه، وبذل المزيد من الجهد، والإخلاص لعمله ولمنظمته.

(3) قيود تطبيق أسلوب الإدارة بالمشاركة

(أ) كما أن أسلوب الإدارة بالاشتراك له بعض المزايا، فهناك أيضاً بعض القيود على تطبيقه. ذلك أن هناك من المشكلات الطارئة، ما لا تستطيع الإدارة الانتظار والتشاور من أجل حلها، بل لا بد من المبادرة الشخصية من المدير، وحسمها على وجه السرعة، لكي لا تستفحل وتتشعب، ويصبح حلها أكثر صعوبة وتعقيداً فيما بعد.

(ب) يضاف إلى عامل الوقت السابق، عامل آخر يحد أيضاً من تطبيق أسلوب الإدارة بالاشتراك، وهو عامل التكلفة، ذلك أن تكاليف إتباع هذا الأسلوب قد تفوق نتائجه، وفي هذه الحالة فإن وحدة القرار تكون الأسلوب الأفضل.

(ج) ويرى بعض الباحثين، أن على الإدارة ألا تذهب بعيداً في استخدام أسلوب الإدارة بالاشتراك، أو الإدارة الاستشارية، لأن لذلك بعض الحدود والمخاطر، التي قد تؤدي إلى انتفاء الفائدة، من هذا الأسلوب القيادي، مثل:

·   ضرورة الحفاظ على المركز الاجتماعي للمدير في المنظمة، لأن الإدارة بالاشتراك تؤدي إلى الاحتكاك الاجتماعي المستمر، بين المدير والمرؤوسين، الأمر الذي قد يؤدي إلى إزالة الكلفة بين الطرفين، إلى حدٍ ينتفي فيه الدور الرسمي للمدير.

·   وجود مرؤوسين مفرطين في الطاعة للمدير، وآخرين مفرطين في العداء له، ومن ثم فإن انتهاج أسلوب الإدارة بالاشتراك، قد لا يحقق الأهداف المرجوة منه، في الحصول على الآراء البناءة للمرؤوسين.

·   عدم رغبة بعض المرؤوسين في الاشتراك، في الرأي الجماعي، لعدة أسباب منها: اعتقادهم بأنهم يعطون أكثر مما يأخذون من المنظمة، أو ثقتهم المفرطة في المدير، وأخيراً عدم اهتمامهم تماماً بمشكلات المنظمة، أو الإدارة، التي يعملون بها داخل المنظمة.

·   قد لا يكون، كذلك، من المصلحة تشجيع أسلوب الإدارة بالاشتراك، إذا كانت القدرات الفنية والإدارية للرئيس أو المدير محدودة، بحيث لا تستطيع الاستفادة الفعلية من مساهمات المرؤوسين.