إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات دينية / البصر والبصيرة









شُبُهات

ثالثاً: الآثار الرّوحانية للبصيرة وكرامات أهلها

البصيرة منحة إلهية، طريقها العبودية والشعور بالافتقار إلى الله. قال ـ سبحانه ـ: ]يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[ (سورة فاطر: الآية 15)؛ فبيَّن أَن فقر العباد إِليه أَمر ذاتي، لا ينفك عنهم. كما أَن كونه غنياً حميداً، أمر ذاتي؛ فغناه وحمده ثابتان لذاته.

قال شيخ الإسلام، ابن تيمية:

والفقر لي وصفُ ذاتٍ لازم أبداً                              كما الغنى أبداً وصفٌ له ذاتي

والفقر نوعان:

افتقار إِلى ربوبيته، وهو شأن المخلوقات بأَسرها. وافتقار إِلى أُلوهيته، وهو حال أَنبيائه ورسله وعباده الصالحين؛ وهذا هو الفقر النافع، الذي يتكلم فيه العلماء، ويشيرون إِليه بالفقر الخاص، لا العام. وقد اختلفت عباراتهم فيه ووصفهم له؛ وكلٌّ أَخبر عنه بقدر ذوقه، وقدرته على التعبير.

إن الافتقار إلى الله الغني الحميد، يورث في القلب أعلى درجات الغنى بالله ـ عَزَّ وجَلَّ ـ، ودوام شهود فضله وأَوَّليته. وهذا الشهود، وذاك الغنى، هما أَتم من أي غنى، وفوق كل مشهود؛ لأَن العبد إِذا فتح الله قلبه، شهد أَوليته حيث كان، ولا شيء غيره، وهو الإِلَه الحق، الكامل في أَسمائه وصفاته، الغني عمّا سواه، الحميد المجيدُ بذاته، قبل أَن يخلق من يحمده ويعبده ويمجده. فهو معبود محمود، حيّ قيوم، له الملك، وله الحمد، في الأَزل والأَبد، لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الجلال، منعوتاً بنعوت الكمال. وكل شيء سواه، فإِنما كان به. وهو تعالى بنفسه، وليس بغيره؛ فهو القيوم، الذي قيام كل شيء به، ولا حاجة به في قيوميته إِلى غيره، بوجه من الوجوه، وهذه هي بصيرة الحق، وحق البصيرة.

فإِذا شهد العبد أن الله تعالى هو الأول، الذي ليس قبله شيء، وتيقّن قلبه بذلك، استغنى بهذا المشهد العظيم، وتغذى به عن فاقاته وحاجاته. وإِنما كان هذا أعلى مراتب البصيرة. وشهد العبد، حينئذٍ، أَن كل شيء، ما سوى الله، باطل؛ وأَن الحق المبين، هو الله وحده.

وتتعلق البصيرة بمدلولات وقضايا مهمة، في الفكر الإسلامي؛ فهي ترتبط بمفهومي الجمال والجلال الإلهيَّين. كما ترتبط بالإحسان؛ لأنها من مراتبه، ومقتضياته. وللبصيرة ارتباط وثيق بالرضا؛ لأنه من أهم أسبابها، وهو انعكاس صادق لأثرها في النفس والكون. وأما التوبة، فهي من لوازم البصيرة ومقدماتها الأساسية.

ولذا، فمن أوثق المعاني المرتبطة بالبصيرة: الجلال، والجمال، والإحسان، والرضا، والتوبة؛ وذلك لترابطهما، وجوداً، واستمراراً، وتحقّقاً. علماً بأن ما يقرّب العبد إلى الله، يُعد عاملاً فعّالاً في كشف بصيرة المؤمن وزيادة شفافيتها. وكمثال، نستعرض بعضاً من هذه المدلولات، ونتعرّف على أثرها في بصيرة العبد.

1. الجلال

ورد لفظ "الجلال"، في القرآن الكريم، مرتَين: ]وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ[ (سورة الرحمن: الآية 27)، و]تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ[ (سورة الرحمن: الآية 78). ومعنى الجلال، في الآيتَين: الملك والعظمة والقوة والعزة. والجليل اسم من أسماء الله ـ تعالى ـ ومعناه: العظيم في ذاته وصفاته وأفعاله. والفرق بين الجليل والكبير والعظيم، في الأسماء الحسنى، أن اسم الكبير يرجع إلى كمال الذات، والجليل إلى كمال الصفات، والعظيم إلى كمال الذات والصفات معاً. وصفات التنزيه، ترجع إلى صفة الجلال. ويعنون بصفات التنزيه كلَّ صفة، تنفي عن الله ـ تعالى ـ معنى، لا يليق بذاته المقدسة، كوصفه بأنه ليس جسمًا، ولا عرضاً، ولا محتاجاً، ولا متحيزًا في جهة.

والجلال، في الاصطلاح، هو احتجاب الحق بحجاب العزة، عن معرفة حقيقة ذاته المقدسة؛ فلا يرى ذاته، ولا يعلمها على حقيقتها، إلا هو؛ وليس لمخلوق أدنى نصيب في معرفة "الجلال"، أو الكلام فيه. وعلوّ الله وعزته هما "الجلال"، الذي يتكلم فيه أصحاب البصائر. والله يتجلى بجمال جلاله على عباده، فيرونه ـ تعالى ـ في الجنة، مع تنزهه عن الجهة والتحيز وتوابعهما، كما هو مذهب أهل السُّنة.

2. الجمال

الجمال، لغةً: هو "الحُسن". واسم "الجميل"، في أصل اللغة، موضوع للصورة الحسية المدركة بالعين، أياً كان موضوع هذه الصورة، من إنسان أو حيوان أو نبات أو جماد. ثم اتُّسِع فيه، ليشمل المعاني التي تدرك بالبصائر، لا بالأبصار فقط؛ فيقال: سيرة حسنة جميلة، وخلق جميل. وقد وردت كلمة جمال، وصفاً للأنعام، في قوله ـ تعالى ـ: ]وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ[ (سورة النحل، الآية 6). كما وردت كلمة "الجميل"، في القرآن كذلك، وصفاً للصبر والصفح وتسريح الزوجة. ووُصف بها الله ـ تعالى ـ في حديث شريف، مفاده أن النَّبِيِّ r قَالَ: ]لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ. قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ، يُحِبُّ الْجَمَالَ؛ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ[ (رواه مسلم، الحديث الرقم 131). ومعنى "جميل"، في الحديث: المنزّه عن النقائص، والموصوف بصفات الكمال؛ أو ذو النور والبهجة... إلخ. ويرجع المتكلمون صفات المعاني لله ـ تعالى ـ كالعلم والقدرة وما إليهما، إلى صفة "الجمال".

والجمال، في الاصطلاح، هو الجمال الحقيقي، إنه الجمال الإلهي. وهو من صفات الله الأزلية، في أفعاله ومخلوقاته.

3. الإحسان

الإحسان، لغةً: فعْل ما هو حسَن، والمهارة فيه.

وهو، شرعاً: "أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". فهو فعل ما ينبغي أن يفعل من الخير، فضلاً ومحبة، من دون نقص أو انقطاع؛ لأنه عمل بالفضائل، قربةً إلى الله تعالى. وفي القرآن الكريم، وردت مادة "حسن" بجميع صيغها، ما يقرب من مائة وخمس وتسعين مرة؛ منها اثنتا عشرة مرة بلفظ "إحسان"، وهذا دليل على أهميته، في الإسلام. وأوضحت السُّنة النبوية، أن الإحسان كالروح، يجب أن يسري في كل أمور المسلم. قال النبي، الكريم: ]إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ... [(رواه مسلم، الحديث الرقم 3615).

والإحسان في العبادات، يكون باستكمال شروطها وأركانها، واستيفاء سننها وآدابها، مع استغراق المؤمن في شعور قوي، بأن الله ـ عز وجل ـ مراقبه، حتى لكأنه يراه.

والإحسان في المعاملات، يكون ببرّ الوالدين، من خلال طاعتهما، وإيصال الخير إليهما، وكفّ الأذى عنهما، والدعاء والاستغفار لهما، وإكرام صديقهما، وإنفاذ عهدهما. قال ـ تعالى ـ: ]وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[ (سورة النساء: الآية 36). ثم ذكرت الآية ثمانية أصناف أخرى، يجب لها الإحسان، وهي: ]وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ[. وكذلك، ورد توجيه نبوي في الإحسان إلى الخادم أو العامل؛ وذلك بإعطائه أجره، قبل أن يجفّ عرقه؛ وبعدم تكليفه ما لا يطيق. فإن كان مقيماً بالبيت، فليأخذ حقه من الطعام والكساء؛ كما في حديث أبى هريرة t عن نبي الرحمة r، قال: ]إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامٍ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْن[ (مسند أحمد، الحديث الرقم 8939). والإحسان إلى الزوجة، كذلك، بعض ما أمر به الإسلام، من حسن معاملتها، وإيفائها كافة حقوقها، وحُسن عشرتها، والاحتكام إلى أهلهما إن اختلفا، وعدم الإضرار بها بوجه من الوجوه؛ كما ورد في غير آية من القرآن الكريم، وفي قول الصادق الأمين: ]أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 1083). وقوله r: ]خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ. وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 3830).

وهكذا يتنوع الإحسان، تبعاً لأحوال الآخرين؛ فهو رحمة وبِرّ بالأقربين وعطف عليهم. وهو صيانة لحقوق اليتامى، وتأديب لهم وتربية وعدم قهر. وهو إطعام للمساكين، وحث عليه وستر لعورتهم، وإبعاد الأذى والسوء عنهم. أما أبناء السبيل، فالإحسان إليهم بقضاء حاجتهم، وسدّ خلّتهم، وصيانة كرامتهم، وإرشادهم وهدايتهم. والإحسان على عامة الناس، يتمثل في التلطف في القول إليهم، واللِّين لهم، مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وردّ حقوقهم، وكفّ الأذى عنهم. والإحسان إلى الحيوان: بإطعامه إذا جاع، ومداواته إذا مرض، والرفق به.

ومن الإحسان، كثرة الجود، لا سيما في رمضان، اقتداء برسول الله، في ما رواه ابن عباس: ]كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ. وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. إِنَّ جِبْرِيلَ ـ عَلَيْهِ السَّلام ـ كَانَ يَلْقَاهُ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ـ r الْقُرْآنَ. فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ[ (صحيح مسلم، الحديث الرقم 4268).

والإحسان في العمل، إنما يكون بإجادته، وإتقان صنعته، مع البعد عن التزوير والغش؛ وفاقاً للحديث النبوي: ]إن الله يحب، إذا عمل أحدكم عملاً، اًن يتقنه[  (رواه البيهقي)؛ والإتقان إحسان.

4. الرضا

إن الله ـ عز وجل ـ جعل الفرح والسّعادة في الرضا واليقين. وجعل الغم والحزن في السّخط والشك. فهناك ارتباط وثيق بين الرضا واليقين، الذي يورث البصيرة، ويحقق السعادة. كما أن هناك ارتباطاً سلبياً بين السّخط والشك، وتلك حقيقة نفسية. فكما أن سُنة الله قد ربطت الشبع والري بالطعام والشراب، في عالم المادة، فإنها ربطت الفرح والرّوح، وبعبارة أخرى، السرور وراحة النفس، بالرضا واليقين. فبرضا الإنسان عن نفسه وربه، يطمئن إلى يومه وحاضره؛ وبيقينه بالله والآخرة والجزاء، يطمئن إلى غده ومستقبله، في الدنيا والآخرة؛ فينتفع الراضون بأبصارهم، وبصائرهم.

أمّا الساخطون والشاكون، فلا يذوقون للسرور طعماً. وحياتهم كلها سواد ممتد، وظلام متصل، وليل حالك لا يعقبه نهار ولا يرتقب له فجر صادق. والسّخط والشّك متلازمان، فلا سخط من غير شك، ولا شك من غير سخط. قال ابن القيم: "قلّ أن يسلم الساخط من شك، يداخل قلبه، ويتغلغل فيه؛ وإن كان لا يشعر به، فلو فتش نفسه غاية التفتيش، لوجد يقينه معلولاً مدخولاً (أي فيه علة وفساد). فإن الرضا واليقين أخوان مصطحبان، والشك والسخط قرينان".

الساخط إنسان دائم الحزن، متصل الكآبة. حرج الصدر، ساخط على الحياة، برم بالناس، ضيق بنفسه، بل ضيق بكل شيء، كأن الدنيا، على سعتها، في عينيه سم الخياط.

والمؤمن قد تصيبه الكآبة، وقد يعتريه الحزن؛ ولهذا، قال الله لرسوله: ]وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ[ (سورة النمل: الآية 70) و]وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ[ (سورة يونس: الآية 65). ولكن حزن المؤمن لغيره أكثر منه لنفسه؛ وإذا حزن لنفسه فلآخرته، قبل دنياه. وإذا حزن لدنياه، فهو حزن عارض، كغمام الصيف، سرعان ما ينقشع، إذا هبت عليه ريح الإيمان. حتى النفوس المنقبضة والطبائع المتشائمة، ينشر الإيمان عليها، من ضيائه وإشراقه، فيبدد كثيراً من ظلامها، ويخفّف كثيراً من انقباضها، ويطارد أسباب سخطها وتشاؤمها.

أما المرتاب في الله والآخرة، فهو يعيش في مأتم لا ينقطع، ومناحة لا تتوقف. لأنه يدور في سخط دائم، وغضب مستمر. على الناس، وعلى نفسه، وعلى الدنيا، وعلى كل شيء؛ وقديماً قالوا: من غضب على الدهر طال غضبه. ولهذا، هو في مأتم سرمدي، يبكي دائماً حظه، وينعى نفسه، وينوح على دنياه، ويولول على وجوده.

إن شعور الإنسان بالرضا، من أول أسباب السّكينة النفسية، التي هي سر السعادة، ومدخل البصيرة، بصيرة بنفسه، وبربه، وبالكون، الذي يعيش فيه، وبصيرة بمكانته في هذا الكون. بصيرة بأصله، وبصيرة وغايته؛ وبصيرة بمبدئه، وبمنتهاه. وفي الحديث: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ r: ]مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللَّه. وَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَاهُ اللَّهُ. وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّه. وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ[ (مسند أحمد، الحديث الرقم 1367).

وكل أمر مقدور، يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه؛ والسعيد من جمع بينهما، وذلك هو المؤمن البصير. والشقي من حرمهما. المؤمن ذو البصيرة، يسأل الله، قبل إقدامه على أمر من الأمور، أن يهديه إلى أرشد الأعمال وأهدى السبل؛ ولذا، كانت صلاة الاستخارة من أعظم الأمور، التي علّمنا إياها الرسول r: ]اللَّهُمَّ، إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيم؛ِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ، وَلا أَقْدِر؛ُ وَتَعْلَمُ، وَلا أَعْلَمُ؛ وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي، فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِه،ِ فَاقْدُرْهُ لِي. وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي، فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِه،ِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْه،ُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَان،َ ثُمَّ رَضِّنِي بِه.ِ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ[ (رواه البخاري، الحديث الرقم 5903).

والمؤمن وحده، هو الذي يغمره الإحساس بالرضا، بعد كل قدر من أقدار الله.

وذو البصيرة، هو الذي يحس تلك الحالة النفسية، التي تجعله مستريح الفؤاد، منشرح الصدر، غير متبرم، ولا ضجر، ولا ساخط على نفسه، وعلى الكون والحياة والأحياء. ومنشأ ذلك رضاه عن وجوده الخاص في نفسه، وعن الوجود العام من حوله. ومبعث هذا وذاك رضاه عن مصدر الوجود كله. وينبوع هذا الرضا، هو الإيمان بالله رب العالمين.

الرضا نعمة روحانية جزيلة، لا يصل إليها جاحد بالله، أو شاك فيه، أو مرتاب في جزاء الآخرة! إنما يصل إليها من قوي إيمانه بالله، وحسُن اتصاله به. وقد خاطب الله رسوله بقوله: ]فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى[ (سورة طه: الآية 130). وامتن عليه بقوله: ]وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى[ (سورة الضحى: الآية 5).

وقال الهادي البشير r: ]ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً[ (صحيح مسلم، الحديث الرقم 49).

وأثنى الله ـ تعالى ـ على المؤمنين، بقوله: ]رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ[ (سورة البينة: الآية 8).

5. كَرامات أهل البصائر

ويتميز أهل البصائر، من ذوي اليقين الراسخ، بالكرامة والفراسة. والكرامة أمر خارق للعادة، يظهره الله على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم بمتابعة نبي، كلف بشريعة؛ مصحوباً بصحيح الاعتقاد، والعمل الصالح. والمكرمة، سواء علم بها العبد أم لم يعلم، لا يُتحدى بها، كالمعجزة. وفي مسألة وقوع الكرامة من ولي أو عدمه مذهبان

ـ مذهب أهل السّنة، الذين يرون الكرامة جائزة، عقلاً، وواقعة، فعلاً، في الحياة، وبعد الممات؛ بل إن بعضهم، يذهب إلى أن حدوثها، بعد الموت، أولى؛ لصفاء النفس، حينذاك، من الأكدار. ويستندون، فيما ذهبوا إليه، الى ما ورد في القرآن الكريم: ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا[ (سورة الأنفال: الآية 29)، ويعزّزون مذهبهم بقصة مريم، التي أنبتها الله ـ تعالى ـ نباتاً حسناً، وقال فيها: ]كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ[ (سورة آل عمران: الآية 37). ]وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا[ (سورة مريم: الآية 25).

ويحتجون لمذهبهم بقصة أهل الكهف، الذين لبثوا في الغار ثلاثمائة سنين، وازدادوا تسعاً، من دون طعام أو شراب، فضرب الله على آذانهم؛ لأن الأذن موطن الإيقاظ في الإنسان. والشمس تطهر كهفهم من الأمراض، فإذا طلعت، تزاور عن كهفهم ذات اليمين. ويعتمدون، كذلك، على ما ذكره القرآن الكريم عن الذي عنده علم الكتاب، الذي أحضر عرش ملكة سبأ إلى بلاد الشام، في طرفة عين: ]قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي[ (سورة النمل: الآية 40). وغير ذلك، مما ورد من كرامات للصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ.

أ. مذهب المعتزلة، الذين لا يجوّزون الكرامة، مستدلين على ذلك بأنه:

لو ظهرت الكرامة على يد الولي، لالتبس بالنبي. ويردّ هذا بمنع الالتباس؛ لأن المعجزة مقرونة بدعوى النبوة، بخلاف الكرامة.

لو ظهرت الكرامة على يد الأولياء، لكثرت بكثرتهم؛ فلا تكون خارقة. ويردّ ذلك بأن الكثرة، لا تؤدي تحويل خارق العادة إلى معتاد؛ ويظل الخارق، على كثرته، خارقاً.

وصفات الكمال ثلاث: العلم، والقدرة، والغنى، وهي لا تتأتّى، على وجه الكمال، إلا لله، المحيط بكل شيء علماً، القدير على كل شيء، الغني عن العالمين. ويسن للعبد من هذه الصفات، إلاَّ ما يعطيه إياه الله؛ فيعلَم ما علَّمه الله، ويقدر على ما أَقدَرَه عليه، ويستغني عمّا أغناه عنه.

ب. حُكم الكرامة

إنها جائزة عقلاً، وواقعة فعلاً. آية ذلك في الكتاب والسُّنة.

(1) القرآن الكريم: ]وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[ (سورة الطلاق: الآيتان 2، 3) ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا[ (سورة الأنفال: الآية 29).

(2) السُّنة المطهَّرة: قصة الثلاثة، الذين أووا إلى الغار، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، ففرج غمَّهم. وقصة جريج العابد، الذي أنطق الله له الغلام، في المهد.

وتقول طائفة من أهل السُّنة، إن الكرامة صحيحة؛ ولكن ليس إلى حدّ الإعجاز، مثل استجابة الدعوة، وحصول المراد، وما شابه هذا، مما لا ينقض العادة.

ورؤية كرامة الولي تكون للمؤمن زيادة يقين على صدق النبي، لا شبهة فيه؛ لأنهما ليسا متضادين في الدعوى، حتى ينفي أحدهما الآخر، بل إن دعوى أحدهما عين برهان دعوى الآخر.

ج. الفرق بين المعجزة والكرامة

المعجزة تقع عند قصد النبي وتحدّيه. والكرامة قد تقع من غير قصد الولي؛ وقيل إنه يجوز وقوعها، كذلك، بقصده؛ فيقتصر الفرق بينها وبين المعجزة على التحدي. وقيل إنه يجوز أن تقع الكرامة كذلك للولي بالتحدي.

والمعجزة تعقب دعوى النبوة. والكرامة لا تعقب دعوى الولاية.

والمعجزة يتخذها الأنبياء حجة على الناس، أما الكرامة فيتخذ منها الأولياء حجة على أنفسهم.

6. الفراسة

الفراسَة، لغةً، هي استشفاف الأمور الخفية من خلال الأمور الظاهرة. والفراسة، ديناً، نور، يقذفه الله في قلب عبده الصالح؛ وكلما كان العبد أقوى إيماناً، كان أقوى فراسة. قال الرسول الأمين r: ]اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ؛ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ. ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ[  (سنن الترمذي، الحديث الرقم 3052).