إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات دينية / الفتوى









المعنى الشرعي

ملحق

تضارب العلماء في فَتَاوَى تتعلق بأمور خطيرة ومصيرية في واقعنا المعاصر

من ذلك: تضارب العلماء في شأن المريض الميت دماغياً: هل الأولى الإبقاء عليه، أم الإسراع بقطع جهاز التنفس عنه. كما تضاربوا كذلك في شأن مشاركة الجنود المسلمين في الجيش الأمريكي في الحرب على أفغانستان.

فأمّا المسألة الأولى:

أثارت فَتْوَى للمجلس الاوروبي للإفتاء، برئاسة الدكتور يوسف القرضاوي، بإجازة إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعي عن المريض الميت دماغياً، غضب مشايخ الأزهر وعلمائه، الذين عَدُّوه مخالفاً للشريعة. وكان القرضاوي قال في تحقيق لمجلة "الأهرام العربي"، أن فَتْوَى ما يعرف بإجازة "تيسير الموت"، استندت: إلى أبحاث علمية، وتأصيل شرعي للقضية. كما استند العلماء إلى أن الشخص قد يصاب بأمراض، لا يُرجى شفاؤه منها: مثل بعض حالات ومراحل السرطان والإيدز.

وأشار الى أن ذلك يصاحبه آلام شديدة؛ ما يدفع أهل المريض، أو الهيئة الطبية المعالجة، إلى البحث عن طريقة تُنْهي حياة المريض؛ رحمةً وشفقةً به وبأهله. مبيناً أن " قتل الرحمة "هو تسهيل موت المريض من دون ألم؛ لتخفيف معاناته. كما أكَّد أنه لا يجوز شرعاً أن يقصد الطبيب قتل المريض، والتعجيل بموته؛ بإعطائه جرعة عالية من الدواء المتسبب في الموت؛ باعتبار ذلك قتلاً، وهو يعد من الكبائر الموبقة. ولا يزيل عنه صفة القتل أن دافعه هو الرحمة بالمريض، وتخفيف المعاناة عنه.

وعَدَّ شيخ الأزهر، محمد سيد طنطاوي، هذا الموت "غير شرعي". وأيَّدته في ذلك دار الافتاء المصرية، فيما عَدَّت نقابة الاطباء المصرية وفاة جذع المخ، بمثابة موت كامل. أمّا مصلحة الطب الشرعي، في جمهورية مصر العربية، فأكدت أن هذا المتوفي مازال حيّاً يُرزق. وأعاد شيخ الأزهر إلى الأذهان، كما ذكرت وكالة الأنباء الكويتية، فَتْوَى لمجمع البحوث الاسلامية؛ أجمع من خلالها العلماء على عدم وجود أدلة شرعية، يُعْتَمد عليها في تحريم نقل الأعضاء من جسد الميت الى الانسان الحي،" بعد تحقق الموت الشرعي والنهائي. وأشار إلى أن الموت بهذه الطريقة يعني توقف جميع أعضاء جسم الانسان عن أداء وظائفها بصورة تامة، وليس بموت المخ، أو (الموت الاكلينيكي)؛ باعتباره لا يُعَدّ موتاً شرعياً. فيما جعل مفتى مصر السابق، الدكتور نصر فريد واصل، من تحقق الوفاة الكاملة لجميع أعضاء الجسد شرطاً لأخذ أحد أعضاء الميت.

ورفض كبير الأطباء الشرعيين، في مصر، الدكتور فخرى صالح، الاعتداد بوفاة جذع المخ؛ باعتبار أن الأساس العلمي، عند تشخيص الوفاة، يَعُدّ مرضى جذع المخ مازالوا أحياء، وليسوا متوفين، ويخضعون إلى العلاج. إضافة الى ضرورة التأكد من علامات الموت: مثل توقف الدورة الدموية، والجهاز التنفسي عن العمل.

ورأى أستاذ ورئيس وحدة العناية المركزة بكلية طب قصر العيني، الدكتور شريف مختار، أن موت جذع المخ يعقبه الموت الكامل؛ باعتبار أن موت الجذع هو المحطة الرئيسية في الوفاة؛ إذ تبدأ حال بقية الأعضاء بالتدهور؛ لتنتهي دورة الحياة، خلال أسبوع، أو عشرة أيام.

وأفتى البعض؛ رداً على سؤال: في حالة احتياج مريض، لا يرجى برؤه، إلى جهاز التنفس الصناعي بحيث يكون استمرار نبض القلب متوقفاً على هذا الجهاز، كما أنه وصل إلى حالة الموت الدماغي؛ فلا إحساس ولا حركة تصدر منه، وتأكد ذلك بالتخطيط الدماغي، الذي أظهر أنه لا توجد ومضات كهربائية تصدر من الدماغ. ففي هذه الحالة هل يجوز إيقاف الأجهزة والعقاقير عنه؟ فكان الجواب: إذا كانت الأجهزة والإسعافات هي المبقية لحركة القلب، وجريان الدورة الدموية، جاز قطعها. وإذا كانت مساعدة على بقائها، مع وجود بقية للحياة الذاتية؛ فلا يجوز قطعها. ومع الشك في تشخيص إحدى الحالتين يبنى على الثانية.

وأفتى البعض؛ رداً على سؤال آخر: إذا كان العلاج واستمراره مكلفاً تكاليف باهظة، لا يستطيع الورثة تحملها. علماً بأن هذه الحالات لا يرجى منها أن تتحسن، بحسب خبرة الأطباء، فهل يجوز عدم مباشرة العلاج بالأجهزة والعقاقير؛ لأنه لن يستفيد المريض منها، وستطول معاناة ذويه؟ فكان الجواب: في الحالة الأولى، من الحالتين المتقدمتين، لا يجب الاستمرار في العلاج، حتى لو لم يكن مجحفاً بمال المريض أو بمال أهله. وفي الحالة الثانية، يجب الاستمرار فيه، حتى لو كان مجحفاً بهم. بل لو عجزوا، وجب على الناس التعاون على استمرار العلاج.

وأفتى البعض؛ رداً على سؤال آخر: إذا كان هناك جهاز واحد للتنفس الصناعي، واستخدم لمريض لا يرجى برؤه؛ وقد وصل إلى حالة الموت الدماغي. ثم احتاج مريض أخر يرجى له الشفاء والبرء إلى استخدام جهاز التنفس، فهل يجوز، في هذه الحالة، أن نأخذ الجهاز من الميت دماغياً إلى المريض الأخر؟ فكان الجواب: نعم يجوز، بل يجب.

وأفتى البعض؛ رداً على سؤال آخر: هل نستطيع أن نجري أحكام الميت على المريض، الذي لا يرجى برؤه؛ وقد وصل إلى مرحلة الموت الدماغي ـ حيث لا إحساس ولا حركة ولا قدرة على التنفس ـ واستمرت هذه الحالة أكثر من ثلاثة أيام، وأكد التخطيط الدماغي عدم وجود أي ومضات كهربائية تدل على وجود حياة؛ وكذا أكَّد هذه الحالة فحص أكثر من طبيب مسلم؟ فكان الجواب: في الحالة الأولى، يحكم بموت الشخص. 

وأفتى البعض؛ رداً على سؤال: في حالة الموت الدماغي، وكان المريض تحت أجهزة الانعاش الرئوي والقلبي، فهل يجوز فصل الأجهزة عنه؟ وما الحكم بالنسبة للطبيب؟ فكان الجواب: إذا كانت أجهزة الانعاش هي التي تحرك أجهزة البدن، من دون أن تكون لها قابلية استمرار الحياة؛ فيجوز فصل الأجهزة المذكورة. وأمّا إذا كانت أجهزة البدن تحمل شيئاً من بقايا الحياة، والأجهزة تساعدها على استمرار الحياة؛ فيحرم فصل الأجهزة.

وأفتى البعض؛ رداً على سؤال: بالنسبة للميت دماغياً، هل يجوز التبرع بأعضائه لمرضى في أشدّ الحاجة إليها؛ وذلك في الحالات التالية:

أ. إذا مات الشخص دماغياً، وأراد ذلك قبل موته، وكتب ذلك بخط يده، سواء رضي أهله أم رفضوا؟

ب. إذا أراد ذلك أهل الميت بقصد الكسب المادي، ولن يعلم ما إذا كان الميت دماغياً راضياً بذلك، أم لا؟

فكان الجواب: لا يجوز نقل الأعضاء من الميت المسلم إلى الحي، حتى لو أوصى بذلك، إلاّ إذا توقف عليها حياة المسلم الحي، وحينئذٍ لا يحتاج إلى وصية الميت ولا إلى رضا أهله.  

وأمّا المسألة الثانية:

فاللغط مستمر في شأن الفَتْوَى، التي صدرت في 16 سبتمبر 2002، في شأن موقف العسكريين المسلمين الأمريكيين، البالغ عددهم 15 ألف شخص، من الاشتراك في حملة ملاحقة الإرهاب، التي شنتها القوات الامريكية. والفَتْوَى المعنية، وقعها الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي والمستشار طارق البشري، والدكتور محمد سليم العوا، والدكتور هيثم الخياط، والكاتب الصحفي فهمي هويدي. هذه الفَتْوَى كانت قد صدرت قبيل الحرب على أفغانستان، في 27 سبتمبر2001؛ لكنها حين ترجمت ووصلت إلى أيدي كثيرين، كانت الحرب قد أُعلنت، الأمر الذي فُهم منه أن الفَتْوَى جاءت مؤيدة للحرب، ولقتل الأفغان المسلمين. وهو أمرٌ أبعد ما يكون عن الحقيقة، ليس فقط لأنها صدرت قبل أحد عشر يوماً من بدء الحرب؛ ولكن لأن موقعيها أعلنوا موقفهم الرافض لتلك الحرب، في بيانات معلنة. لذلك فإن الزج بالفَتْوَى في سياق الحرب يضعها في غير سياقها الأصلي، فيشوهها ويسيء فهمها. فشرعية الحرب، مثلاً، خارج موضوع السؤال، كما أن ما ينطبق على الولايات المتحدة لا يسري على المسلمين في ألمانيا أو تركيا مثلاً؛ إذ طالما أن لكلِّ بلدٍ خصوصيته وملابساته، فإن كلَّ حالةٍ يكون لها وضعها الخاص، لأنه اذا كانت الفَتْوَى بمثابة تنزيل الحكم على الواقع، فمن الطبيعي أن تتغير تبعا لاختلاف ذلك الواقع في المكان والزمان.

ازاء ذلك فإن القرضاوي كتب رأياً توضيحياً للفَتْوَى، في محاولة منه لرفع الالتباس، الذي أحاط بها من إساءة فهمها. وفيه نص على الآتي: إن الاسلام قد حَرَّم على المسلم أن يواجه أخاه المسلم بالسلاح، وعَدَّ ذلك من أعمال الكفر، وأعمال الجاهلية. فقال صلى الله عليه وسلم: )سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ( ( الترمذي: 2559). وقال: )لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ( (البخاري: 118). وقال: )إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. فَقيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ( (البخاري 30).  وهذه كلُّها أحاديث صحيحة متفق عليها. بل حَرَّم الرسول على المسلم أن يشير الى أخيه المسلم بسلاحه ـ مجرد اشارة ـ لا جاداً ولا مازحاً.

وهنا يبرز سؤال المسلم، الذي يكون مجنداً في جيش، فهو لا يملك إلاّ طاعة رؤسائه وتنفيذ أوامرهم، التي يصدرونها إليه، وليس من حقه أن يقول: "لا"، أو: "لم"؟ وفق الانظمة العسكرية المعروفة في العالم اليوم؛ فإذا كان جيش دولته هذا يحارب دولة مسلمة، وهو جندي في هذا الجيش، فماذا يصنع؟ وهو مكره على أن يتحرك بحركة الجيش؛ إذ هو فيه مجرد آلة في ترس كبير.

الذي يتوجه اليه النظر الفقهي هنا: أن المسلم إذا أمكنه ان يتخلف عن هذه الحرب؛ بطلب إجازة أو إعفائه من هذه الحرب، لأن ضميره لا يوافق عليها، أو نحو ذلك، فالواجب عليه أن يفعل ذلك؛ حتى لا يتورط في مواجهة المسلم، بغير حق. وكذلك، إذا استطاع أن يطلب العمل في الصفوف الخلفية لخدمة الجيش، لا في مباشرة القتال، فهذا أخف. ذلك ما لم يترتب على موقفه هذا ضرر بالغ له، أو لجماعته الإسلامية، التي هو جزء منها: كأن يُصنف هو وإخوانه، في مربع الذين يعيشون في الوطن، وولاؤهم لغيره. وقد يكون في هذا التصنيف خطر على الأقلية الإسلامية ومصيرها، ووجودها الدِّيني والدعوي، وقد يؤدي بالجهود الدعوية والتربوية الهائلة، التي بذلت لعشرات السنين؛ لتقوية الوجود الاسلامي وتثبيته، واعتبار المسلمين جزءاً من مجتمعهم، يجب أن يندمجوا فيه حضارياً، ولا يذوبون فيه دينياً؛ فلا يجوز ان يتصرفوا تصرفاً يجعلهم مشبوهين، أو مشكوكاً فيهم؛ بحيث يَعُدّهم المجتمع العام طابوراً خامساً.

ولا ينبغي للأفراد أن يريحوا ضمائرهم بالتخلف عن الحرب، إذا كان ذلك سيضر المجموعة الإسلامية كلّها. فإن القاعدة الشرعية: يُتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، ويُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. وحق الجماعة مقدم على حق الأفراد، وفقه التعارض بين المصالح والمفاسد من أهم انواع الفقه؛ فهو فقه الموازنات. وهو فقه يفتقده الكثير من المسلمين، فلا يجوز أن يخضع العلماء لفقه العوام، الذين يغلبون فقه الظواهر على المقاصد.

وإذا اضطر المسلم للقتال، مكرهاً تحت ضغط الظروف، التي ذُكرت، فينبغي له أن يبتعد ـ بقدر ما يمكنه ـ عن القتل المباشر، وأن يشارك في الحرب إذا شارك، وهو كاره منكر لها بقلبه، كما هو شأن المؤمن، إذا عجز عن تغيير المنكر بيده أو بلسانه، فهو يغيره بقلبه ـ أي بالكراهية والنفور ـ وذلك أضعف الإيمان.

خلال الفترة، التي أعقبت صدور الفَتْوَى، أيَّدها البعض، وتحفظ عليها آخرون في بعض مواضعها. وصدرت فَتَاوَى أخرى مخالفة لها، كما أنها صارت هدفا للهجوم، وتعرض كاتبوها للاتهام والتجريح من قبل قلة من المُفْتِين، الذين اعتادوا أن يشّهروا بكل من يخالفهم.

ورغم أن تعدد الفَتَاوَى أمر مفهوم، ولا ضير فيه، خصوصاً بين أهل العلم، الذين يلتزمون بأدب الاختلاف، إلاّ أن الأمر يكون أحياناً مصدراً للحيرة والبلبلة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بحالة كالتي نحن بصددها. إن من شأن بعض الفَتَاوَى أن تورث بعض الجنود المسلمين الأمريكيين شعوراً بالإثم، إذا أطاعوا الأوامر الصادرة إليهم بالاشتراك في الحرب، وربما اضطر بعضهم إلى الاستقالة، إذا رفض تنفيذ تلك الأوامر. وهو ما ارتآه بعض المُفْتِين، ممن قالوا إن الاستقالة في هذه الحالة أفضل من المشاركة في قتل مسلم.

من الذين لم يختلفوا كثيراً مع الفَتْوَى الآنفة، الشيخ فيصل مولوي، من لبنان، الذي حَرَّم مشاركة الجندي الأمريكي المسلم في المهمات العسكرية، التي قد توكل إليه في أفغانستان، ثم انتهى الى أنه: "إذا ترتب على هذا الموقف نتائج أخرى ضارة، لا يمكن تحملها بالنسبة له شخصياً أو للجالية الإسلامية ككل، فإن الضرورات تبيح المحظورات، وعليه الموازنة بين الأمرين، واختيار أقلها ضررًا، وهو وحده الذي يتحمل مسؤولية اختياره".

من بين الذين عارضوا مبدأ المشاركة في العمليات العسكرية الدكتور علي جمعة، أستاذ أصول الفقه في جامعة الأزهر، والدكتور احمد الريسوتي، أستاذ الشريعة، في المغرب، والدكتور صلاح سلطان، رئيس الجامعة الإسلامية، في الولايات المتحدة. ومما قاله الدكتور علي جمعة، الذي أصدر فتواه، بعد قيام الحرب، أنه: على الجندي المسلم، في الجيش الأمريكي أن يعتذر عن هذه الحرب، فإن لم يستطع، فليكن في الجهاز الإداري مثلاً، فان لم يستطع فليقدم استقالته، فإن اضطر إلى الخروج. وكان بين الصفوف، فلا يقتل مسلماً بسلاحه. فإن قتله خطأ، فعليه الدية والكفارة، وإن قتله عمداً، ارتكب إثم من قتل مسلماً عمداً.

أمّا الدكتوران أحمد الريسوتي وصلاح سلطان، فلم يجيزا الاشتراك في الحرب بإطلاق، على الرغم من أن الدكتور الريسوتي، أباح للمسلم العادي أن يدفع الضرائب للدولة غير المسلمة، التي يعيش في ظلِّها ويحمل جنسيتها، استناداً إلى قاعدة الضرورة والإكراه.

والحقيقة أن مبعث الاختلاف ليس فقط كون الفَتْوَى الاولى صدرت قبل الحرب، حين لم يكن معلوماً، مثلاً، أن المدنيين الأفغان سيتعرضون للقصف، أو بعد ابتداء تلك الحرب، وإنما نشأ التباين في المواقف من جراء الاختلاف في الإدراك، والأولويات، وزاوية النظر. فهناك من لم يجد في الأمر ضرراً ولا ضرورة، وأن المسلمين يستطيعون إبراء ذمتهم، وعدم المشاركة في المهام الموكولة إليهم، وحتى اذا استقالوا من الجندية (لاحظ أن عددهم 15 ألفا)، فلن يصيبهم أو يصيب الجالية الإسلامية ضرر كبير كما يُظن. ومن ثَمَّ، فلن يؤثر ذلك في مستقبل الإسلام في تلك البلاد، وربما كان الاختلاف في تقدير هذه المسألة ناشئًا عن أن الذين أفتوا، لأنهم من غير المسلمين الأمريكيين، لم يكونوا على اتفاق حول الحجم الحقيقي لذلك الضرر المتوقع، وهو ما يحسمه أهل البلاد أنفسهم. ومن هؤلاء من قالوا إن الحرب غير عادلة، وليس لهم أن يشاركوا فيها، لأنه )لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ(، ما أثار سؤالَيْن: أحدهما عمّا إذا كان ذلك يسري على حكومات الدول غير الإسلامية، أم على الحكومات الإسلامية وحدها، والثاني عمّا إذا كان ذلك ينطبق على العسكريين كذلك. حيث لا يملك "المخلوق" منهم في هذه الحالة إرادته في الدول الإسلامية، فما بالك بغير الإسلامية؟

الأمر الذي بدا ملتبساً في أذهان الجميع، هو معنى ومسؤولية أن يكون المسلم مواطناً في بلد غير مسلم، لا علاقة لقوانينه وأعرافه بالاسلام، إلى أي مدى يملك ذلك المسلم أن يتحلل من التزاماته كمواطن، خصوصاً، إذا كان جندياً لا يملك إلاَّ أن يمتثل إلى الأوامر الصادرة إليه، وهو عنصر في المسألة يتعلق بحدود وطبيعة العلاقة بين الانتماء الدِّيني والانتماء الوطني، وكيف يمكنه التوفيق بين الانتماء للجماعة الدِّينية والجماعة الوطنية في الوطن نفسه، وهو الموضوع، الذي طال الجدل بشأنه حتى أدرك المتحاورون أنه يحتاج إلى مزيد من التعميق والاثراء، إذ إنه جديد على خبرة العقل الإسلامي، جدة فكرة المواطنة ومستلزماتها.

المفارقة اللافتة للنظر هنا، أن مثل هذه المناقشات لم نجد لها آثاراً، في الحالات التي تقاتل فيها المسلمون في ما بينهم، العراق وإيران مثلاً، أو الصراع الراهن بين الفصائل الأفغانية، وكأنما قتال المسلمين في ما بينهم مقبول ومحتمل، أمّا إذا قاتلهم غيرهم، فهنا تكون المشكلة ويقع المحظور من: أن "ظلم" ذوي القربى أشدُّ مضاضة، فما بالك بهم، لو أنهم قتلوا؟!