إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات دينية / الدهر









3

3. الدهرية والدَّهْر في الأمثال والشعر العربي

أ. الدهرية

الدهرية هي: كلمة عربية، مأخوذة من الآية ]وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ[ (سورة الجاثية: الآية 24).

وتطلق الدهرية على أولئك الذين أنكروا الاعتقاد في الله، وأنكروا خلق العالم والعناية الإلهية، ولم يسلّموا بما جاءت به الأديان الحقة، من الشرائع السماوية والبعث والعقاب. وقالوا بقِدَم الدهر، وأن المادة لا تفنى، وأن كل ما حدث في العالم إنما يرد إلى فعل القوانين الطبيعية، أي إلى حركة الأفلاك. وقولهم بقدم الدهر هو أبرز أقوالهم، بل هو المحور، الذي يدور عليه مذهبهم، ويميزهم عن غيرهم. وذهبوا إلى ترك العبادات رأساً؛ لأنها لا تفيد، وإنما الدهر بما يقتضيه، مجبول من حيث الفطرة، على ما هو الواقع فيه، فما هناك إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وسماء تقلع، وسحاب تقشع.

والدَّهري: رجل دَهْرِيُ: ملحد لا يؤمن بالآخرة، يقول ببقاء الدهر.

والعالم والكون بكل ما فيه مخلوق محدث، وهذا ما اتفقت عليه جميع الملل والنحل والطوائف، على اختلاف عقائدها وأديانها. ولكن خالف في ذلك فرقة واحدة، قالت بقدم العالم، وأنه موجود منذ الأزل وأطلق على هذه الفرقة الدهرية.

وإن كان العرب قد نسبوا إلى الدهر المصائب والبلايا، فإن الدهرية قد ألَّهوا الدهر، وأنكروا الخالق المبدع للكون، واستدلوا ببراهين وهمية. وقدعرض ابن حزم، في كتابه "الملل والنحل، حججهم واعتراضهم، وفند تلك الحجج الباطلة".

ب. الدهر في الأمثال

·   أكل عليه الدهر وشرب.

يضرب لمن طال عمره، يريدون أكل وشرب طويلاً، وقال:

شرب الدهر عليهم وأكل

كم رأينا من أناس قبلنا

·   إذا أدبر الدهر عن قومٍ كفى عدوهم: أي إذا ساعدهم كفاهم أمر عدوهم.

·   حلب الدهر أشْطُرَهُ: أي أنه اختبر شطري الدهر، خيره وشره؛ فعرف ما فيه، ويضرب للذي جرب الدهر.

·   الدهر أنكب لا يلب: أي كثير النكبات

·   شاخص له الدهر فاه: أي تغير عما كان له عليه.

·   عذاب رعف به الدهر عليه: ويضرب لمن استقبله الدهر بشر شديد.

·   فعلنا كذا والدهر إذ ذاك مُسْجِلُ: أي لا يخاف أحدٌ أحداً، ويقال: أسجله، أي أرسله على وجهه.

·   نِعم المؤدِّبُ الدهر.

·   نقض الدهر مِرَّتَهُ: المِرَّة: القوة، ويراد هنا أن الدهر أَثَّر فيه.

·   هو الدهر وعلاجه الصبر.

·   أبقى من الدهر: ويقال أبقى على الدهر من الدهر، يضرب لطول العمر ونحوه.

·   أجفى من الدهر.

·   أطول من الدهر.

·   صاحت بهم حادثات الدهر: يضرب لقوم انقرضوا واستأصلتهم حوادث الزمان.

·   عَثَر بأشرسِ الدهر: أي بداهية الدهر وشدته، يقال: أن الشرس ما صغر من شجر الشوك، ومنه شراسة في الخلق.

·   لم يُخَّبأ للدهر شيءٌ إلا أكله: أي أن الدهر يفني كل شيء، ولا يسامح أحداً من بنيه.

·   من عتب على الدهر طالت معتبته: أي من غضب على الدهر طال غضبه؛ لأن الدهر لا يخلو من أذى ومشقة.

·   بَقْلُ شهرٍ، وشَوكُ دَهْر: يضرب لمن يقصر خيره ويطول شره.

·   لكل دهر رجال: هذا من قول بعضهم: لكل مقام مقال، ولكل دهر رجال.

·   من سابق الدهر عَثَرَ.

·   لا أفعله دهر الداهرين: أي أبد الآبدين.

ج. الدهر في الشعر العربي

قال أبو عبيدة: ومن شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب؛ حتى ذكروه في أشعارهم، ونسبوا الأحداث إليه، قال عمرو بن قميئة:

فكيف بمن يُرْمَى وليس برامِ

رمتني بنات الدهر من حيث لا أدري

ولكننـي أُرمَى بغير سهـامِ

فلـو أنهـا نَبْــلٌ إذاً لاتّقيتهــا

أنُوءُ ثلاثاً بعـدهن قيامــي

على الراحتين مرة وعلى العصـا

ومثله كثير في الشعر، ينسبون ذلك إلى الدهر، ويضيفونه إليه، والله سبحانه الفاعل، لا رب سواه. وقد أحسن أبو علي الثقفي، حين بيّن أن الدهر مخلوق، مأمور لله تعالى، فقال:

لا تَلـُمِ الدهر علـى غدرِهِ

يا عاتـب الدهـر إذا نابـهُ

وينتهي الدهر إلـى أمـره

الدهر مأمــورٌ، لــه آمرٌ

يزداد أضعافاً علـى كفـره

كـم كافرٍ أمـواله جَمَــةٌ

يزداد إيمانـاً علـى فقـره

ومؤمنٍ ليـس لـه درهـمٌ

           وينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه قوله:    

تعش سالماً والقول فيك جميل

صن النفس واحملها على ما يزينها

نبـا بك دهر أو جفاك خليـل

ولا تــرين النــاس إلا تجمـلاً

عسى نكبات الدهر عنك تزول

وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد

ويفنى غني المال وهـو ذليل

يعز غنـي الـنفس إن قـل مـاله

إذا الريح مالت مال حيث تميل

ولا خـير فـي ود امـرئ متلـون

ولكنهم فـي النائبات قليل

فمـا أكثـر الإخوان حـين تعدهـم

وقال صالح بن عبد القدوس (توفي  نحو 160هـ):

واذكر ذنـوبك وابكها يا مذنب

دع عنك ما قد فات في زمن الصبا

لا بد يحصي ما جنيت ويكتـب

واخش منـاقشة الحسـاب فإنـه

أنفـاسنا فيـه تعـد وتحـسب

والليل، فـاعلم، والنهـار كلاهما

بـل أثبتـاه، وأنت لاهٍ تلعـب

لـم ينسه المـلكان حـين نسيته

ومَشيدهـا عمـا قـليل يخرب

تبـا لـدارٍ لا يــدوم نعيمـها

مـا زال قـدماً للرجال يهـذب

لا تأمـنِ الـدهر الخؤون لأنـه

وأصابك الخطب الكريه الأصعب

وإذا أصابـك فـي زمـانك شدة

يدعوه مـن حبل الوريد وأقرب

فـادعُ لربِّـك إنـه أدنـى لمـن

وقال علي بن موسى الرضا (توفي 203هـ)

على الذي نالك من عضته

إن عضك الدهر فكن صابراً

إلا لمن تطمع في رحمـته

أو مسَّك الضر فلا تشتكـي

وأنشد بعضهم:

ولا جالب البلوى، فلا تشتم الدهرا

فما الدهر بالجاني لشيء لِحَينـه

على معشر يجعل مياسيرهم عُسرا

ولكن متى مـا يبعث الله باعثـاً

قال شاعر:

في سرور ونعيم وغدقْ

ربَّ قوم غبروا من عيشهم

ثم أبكاهم دماً حين نطقْ

سكت الـدهر زمـاناً عنهمُ

وقال أبو الحسن التهامي (توفي 416هـ):

تبني الرجاء على شفير هارِ

وإذا رجـوت المستحيل فـإنمـا

والمرء بينهما خيالٌ ســارِ

فـالعيش نـومٌ والمنية يقظــة

أعماركم سفـرٌ مـن الأسفارِ

فـاقضوا مآربكـم عـجالاً إنمـا

هنّا ويهـدمُ مـا بُنيْ ببـوارِ

فالدهر يخدع بالمـنى ويغـص إن

خُلُـقُ الزمانِ عداوةُ الأحرارِ

ليس الزمان، وإن حرصت، مسالماً

وقال أبو إسماعيل الطغرائي (توفي 513هـ):

على قضاءِ حقوق للعُلى قبلي

أُريد بَسطةَ كـفّ أستعين بها

من الغنيمة بعد الكـدّ بالقَفلِ

والدهر يعكس آمالي ويُقنِعني

وقال أيضاً:

حتى أرى دولـة الأوغاد والسّفـلِ

ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني

وراء خطوي، لو أمشي على مـهلِ

تقدمتني أنـاسٌ كان شـوطهم

لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحلِ

فإن علاني من دوني فلا عجبٌ

في حادث الدهر ما يُغني عـن الحِيْلِ

فاصبر لها غير محتال ولا ضجر

من لا يعـوِّل في الدنيا على رجـلِ

فإنما رجـل الـدنيا وواحدهـا

وقال صلاح الدين الصفدي (توفي 764هـ):

فانصَبْ تُصب عن قريب غايةَ الأملِ

الجد في الجدّ والحرمان فـي الكسلِ

صبر الحُسام  بكفِّ الدارع البـطلِ

واصبر على كل ما يأتي الزمان به

وما تعَّودَ نقص القول والعــملِ

إن الفتى من بماضي الحزم متصفٌ

يعود مـا فات من أيامــه الأولِ

ولا يضيِّع سـاعات الزمـان فلن

لم يخـش دهـرَه يوماً من العطلِ

فمـن تكن حُلة التقوى مـلابسه

فيما يُحاول فليسكن مـع الهمـلِ

من لم تفده صروف الدهر تجربةً

منهـا بحـرب عـدو جاء بالحيل

من سالمتْه الليـالي فليثق عجلاً