إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات جغرافية وظواهر طبيعية / الموسوعة الجغرافية المصغرة









(1) نظرية الصفائح التكتونية

معدلات تحرك الصفائح

تقاس معدلات تحرك الصفائح عند الحدود الصفائحية المتباعدة، الممتدة على طول الأخاديد، التي تعلو قمم أحياد المحيطات. ومع شمول مزيداً من أجزاء تلك السلسلة المتصلة، من المرتفعات المغمورة، غالباً، في قيعان المحيطات، والتي يتجاوز امتدادها 65 ألف كيلومتر ـ تبدت حقائق جديدة. منها أن ، الحدود الصفائحية، على جانبي مرتفع شرقي المحيط الهادي، تتباعد بمعدل أسرع، نسبياً، من المعدل العام للتباعد، المقدَّر بنحو 4 سنتيمترات، في السنة. متوسط سرعة التباعد، هنا، يبلغ ستة سنتيمترات، في السنة. وقد يرتفع، ليراوح بين عشرة سنتيمترات وخمسة عشر سنتيمتراً، في السنة، قرب جزيرة إيستر Easter Island، في جنوبي المحيط الهادي، على بعد 3400 كيلومتر، غرب ساحل تشيلي.

وفي المقابل، إن أبطأ معدل للتباعد الصفائحي، وجد، حتى الآن، في أقصى شمال المحيط الأطلسي، في حيد منتصف الأطلسي، في البحر المتجمد الشمالي Arctic Ridge، حيث لا يتجاوز المعدل السنوي السنتيمترين والنصف.

يمكن أن تقاس المعدلات الحالية لتباعد الصفائح، بمقاييس جيوديسية[18]، أرضية أو فضائية. وتحسب القياسات الأرضية، بأساليب المسح الميداني التقليدي، التي حققت قدراً كبيراً من الدقة، في الوقت الحاضر. وإذ يشمل تحرك الصفائح سطح الأرض برمَّته، فإن قياساتٍ أفضل لحركة الصفائح، تتحقق، بلا شك، بوساطة الأقمار الصناعية، من طريق الاستشعار عن بُعد.

وقد تطور علم الجيوديسيا الفضائية تطوراً سريعاً، خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. وقد استخدمت عدة أساليب تقنية في القياس الفضائي لنقاط مختارة على سطح الأرض، تفصل بينها آلاف الكيلومترات؛ وأكثرها شيوعاً، وقد يكون أكثرها شهرة بين الناس، هو نظام تحديد المواقع العالمي Global Positioning System؛ الذي على واحد وعشرين قمراً صناعياً، لتغطية سطح الأرض. تحلق هذه الأقمار على ارتفاع 20 ألف كيلومتر من سطح الأرض؛ وترسل إشارات راديوية إلى المواقع الأرضية بشكل منتظم. ومن بيانات المواقع الأرضية، يمكن علماء الأرض تحديد معدلات تحرك الصفائح التكتونية.

يمكن القول، إن نظرية تكتونية الصفائح، تشرح، على أسس علمية، كثيراً من ظواهر سطح الأرض؛ وتعلل حدوثها في أماكن معينة. وهي لا تقتصر على الرد على الاعتراضات، التي واجهت نظرية تزحزح القارات؛ بل تمعن في شرح آلية التزحزح، وتربطه، ليس بالكتل القارية فقط؛ بل بالصفائح التكتونية. وتساند هذه النظرية أدلة كثيرة، مشاهدة على سطح الأرض، أو ملاحظة بالمقياس والمتابعة والتحليل، لبعض الأحداث الجيولوجية. وقد أمكن تحقيق كثير من الفرضيات، التي بنيت عليها النظري. وسيقتصر البحث على اثنين منها فقط.

تقول النظرية، إن الحدود الصفائحية المتباعدة، هي مناطق بناء، تتكون فيها قشرة أرضية جديدة؛ وتظهر فيها صخور جديدة، حديثة التكوين، بالمعدل نفسه، الذي تتباعد به الصفائح.

1. تحليل أعمار صخور قاع المحيط، يُعد دليلاً على صحة الفرضية

إن تحقيق صحة هذا الافتراض، ليس بالأمر المستحيل؛ إذ إن التسليم بها، ينبني عليه أن تزداد الأعمار الجيولوجية للصخور تقادماً، كلما ابتعدت عن خط الحدود المتباعدة، في الاتجاهين. والحدود المتباعدة، والانبثاق الصخري الجديد، يحدثان، كما تقول النظرية، في أحياد أواسط المحيطات. لذا، لو أخذت عينات من صخور أحدها؛ على طول خط، ممتد بعرض المحيط، ومتعامد على امتداد أحيد وسطه، على مسافات معينة، في الجانبين، لكان متوقعاً، أن يزداد العمر الجيولوجي للصخور، كلما ابتعدت عن الحيد المحيطي. وقد أظهرت الدراسات، والعينات الصخرية، التي أخذت من قاع المحيط، في أماكن متعددة، في المحيطين، الهادي والأطلسي، صحة هذه الفرضية. إذ بينت، مثلاً، نتائج تحليل العينات الجوفية[19] Core Samples، التي جمعتها سفينة الأبحاث، جلومار تشالنجر Glomar Challenger، عام 1968، من مواقع محددة، في صخور حيد وسط المحيط الأطلسي، بين أمريكا الجنوبية وأفريقيا، تقادم أعمار الصخور، بالاتجاه منه نحو أيٍّ من القارتين. فالصخور الأقلّ عمراً، في قاع المحيط، هي، دائماً، في الأخدود الممتد على قمة حيد وسطه؛ وفوق ذلك، يزداد عمر الصخور ازدياداً، يكاد يكون متوازناً Symmetrical على جانبي الحيد (انظر شكل تقادم أعمار الصخور).

إن من الحقائق المهمة، في مجال أعمار الصخور المكونة للقشرة الأرضية، والتي لاحظها العلماء ـ أنه في حين توجد على القارات صخور، قد يتخطى عمرها ما قبل الكامري (انظر جدول العمود الجيولوجي)، فيبلغ 4 بلايين سنة؛ فإنه لا يوجد في أي من المحيطات، تحت غطاء الرواسب، صخور بازلتية، يتجاوز عمرها 150 مليون سنة! وذلك يؤيد تجدد القشرة المحيطية، باستمرار، عند حدود البناء الصفائحي[20]؛ واختفاء الصخور القديمة منها، عند حدود الهدم الصفائحي[21].

2. التوجيه المغناطيسي لمكونات صخور القاع يؤيد الفرضية

النتائج السابقة، تؤيدها، كذلك، نتائج دراسات التوجيه المغناطيسي لجزيئات معدن الماجنيتايت Magnetite، في قاع المحيط. تحتوي تدفقات اللابة على بلورات معدن الماجنيتايت؛ ولهذا المعدن خاصية مغناطيسية، تجعل جزيئاته تتأثر بالمجال المغناطيسي للأرض. وما دام الصهير الصخري سائلاً، فإن جزيئاته تتحرك بحرية، متأثرة بالمجال المغناطيسي للأرض؛ فيبرد الصخر، وتثبت حركة مكوناته، وهي متراصة، بتوجيه مغناطيسي ملائم للمجال المغناطيسي للأرض، وقت تصلبها.

لقد طورت، خلال الحرب العالمية الثانية، أجهزة وتقنيات، للكشف عن الغواصات، تحت سطح الماء، من الطائرات. ومنذ عام 1950، بدأ علماء الأرض يستخدمون أجهزة في قياس المغناطيسية Magnetometers، طورت من أجهزة الكشف عن الغواصات. وتبين، بعد استخدام هذه الأجهزة، أن هناك نمطية ثابتة في التغير المغناطيسي، بعرض أرضية المحيط. هذا الاكتشاف، على الرغم من أنه لم يكن متوقعاً من قبل، فإنه لم يكن مفاجئاً للعلماء، الذين يعرفون، سلفاً، أن صخور قاع المحيط البازلتية، تحوي معدن الماجنتايت العالي المغناطيسية. والواقع، أن مغناطيسية قاع المحيط، كان البحارة الأيسلنديون قد لاحظوها، في القرن الثامن عشر. فمغناطيسية صخور قاع البحر، لم تكن مفاجأة بحد ذاتها؛ ولكن توزَّعها النمطي، الطولي، كان هو المفاجأة. إذ على طول قاع المحيط الأطلسي، من شماله إلى جنوبه، تمتد، مثلاً، أحزمة طولية متوازية (انظر شكل تغير التوجيه المغناطيسي)، على جانبي حيد وسطه، من الصخور المختلفة في مغناطيسيتها. ومع دراسة مزيد من القطاعات، من قاع المحيط، تبين أن التغير الملاحظ في مغناطيسية صخوره، ليس عشوائياً، بل يتّبع نمطاً ثابتاً. وذلك ليس في قاع المحيط الأطلسي فقط، بل في قيعان المحيطات كلها. فكيف حدث هذا؟ وماذا يعني وجود هذه الظاهرة، بالنسبة إلى تباعد الصفائح التكتونية؟

إن تقنيات دراسة الحقول المغناطيسية القديمة، تقوم على حقيقة أن أنواعاً معينة من الصخور، تحوي معادن، يمكن أن تستخدم بوصلة أحفوريةٍ[22]. وهذه المعادن الغنية بالحديد، مثل الماجنتايت، شائعةٌ في تدفقات اللابة البازلتية. وهي تفقد مغناطيسيتها، عندما تتجاوز درجة حرارتها نقطة معينة، يطلق عليها نقطة كوري[23] Curie Points؛ وهي بالنسبة إلى الماجنتايت قرابة 580ْ مئوية. وعندما تبرد تلك الحبيبات المعدنية، الغنية بالحديد، تصبح ممغنطة، في اتجاه الحقل المغناطيسي للأرض. وبعد تصلب المعادن، تثبت حبيباتها في الاتجاه المغناطيسي، الموافق للحقل المغناطيسي للأرض، وقت تصلبها. وستحافظ حبيباتها على اتجاهها المغناطيسي؛ ولو تحرك الصخر، أو تغير الاتجاه المغناطيسي.

يشير بعض الحسابات، إلى أن المجال المغناطيسي للأرض[24] Earth Magnetic Field، قد ضعف بنسبة 5%، خلال القرن المنصرم. ولو استمر هذا المعدل، خلال الألف سنة المقبلة، فإن المجال المغناطيسي للأرض، سيكون ضعيفاً جداً، أو لا أثر له. ويعتقد العلماء، أن هذا مرتبط بشواهد انعكاس المجال المغناطيسي للأرض، خلال عمرها الجيولوجي؛ إذ إنه خلال الفترات، التي يضعف فيها هذا المجال، فإن مؤثرات خارجية، كالبقع الشمسية، مثلاً، يمكن أن تؤدي انعكاس المجال المغناطيسي.

يطلق على المجال المغناطيسي للأرض، في وضعه الحالي، حيث تشير البوصلة إلى الشمال، مجال مغناطيسي موجب، أو مغناطيسية موجبة[25] Positive Polarity، قد تسمَّى مغناطيسية عادية Normal Polarity. ويطلق عليه، في حالة انعكاسه، مجال مغناطيسي سالب، أو مغناطيسية سالبة[26] Negative Polarity، قد تسمَّى مغناطيسية معكوسة Reverse Polarity. فالصخور التي تصلبت، خلال فترة مغناطيسية سالبة، تكون ممغنطة في اتجاه قطبي، معاكس للصخور التي تتكون اليوم، أو تكونت خلال فترة مغناطيسية موجبة.

في قمة حيد وسط المحيط الأطلسي، للصخور حديثة التكوين مغناطيسية موجبة. ولأن الحيد يمتد بشكل طولي، بين الشمال والجنوب، فإن حزاماً عريضاً من الصخور الحديثة التكوين، ذات المغناطيسية الموجبة، يمتد في وسط المحيط. يلاصق هذا الحزام، من الشرق، ومن الغرب، حزامين عريضين، من صخور مغناطيسيتها سالبة. وهكذا، تتعاقب أحزمة من الصخور، الموجبة والسالبة المغناطيسية، بعرض المحيطات كلها، بامتداد موازٍ لامتداد أحياد أواسط المحيطات.

وتفسير ذلك، بالنسبة إلى نظرية تكتونية الصفائح، واضح؛ وهو يدعمها، ويدعم فرضية تباعد الصفائح، في قاع المحيط؛ إذ إن هناك انبثاقاً لصخورٍ جديدةٍ، باستمرار، خلال العصور الجيولوجية، تصبح جزءاً من القشرة المحيطية. وتتزحزح هذه الصخور تزحزحاً متساوياً، على الجانبين، لتفسح المجال لصخور أحدث للانبثاق. وبما أن هذه العملية مستمرة، خلال العصور الجيولوجية، فإن الصخور، التي تنبثق خلال الفترات المغناطيسية الموجبة، تتصلب، وتثبت حبيباتها في اتجاه موجب. والصخور، التي تنبثق خلال فترات مغناطيسية سالبة، تتصلب، وتثبت حبيباتها في اتجاه سالب. وما يدعم ذلك التحليل، كذلك، أن الأحزمة، السالبة والموجبة المغناطيسية، هي أعرض في المحيط الهادي منها في المحيط الأطلسي. وتعليل ذلك، أن سرعة تباعد الصفائح، في المحيط الهادي، هي أكبر منها في المحيط الأطلسي؛ ما يجعل القشرة المحيطية الجديدة، المضافة خلال أي فترة زمنية، هي أكبر في المحيط الهادي منها في المحيط الأطلسي.

إن مغناطيسية الصخور، ووجود أحزمة، تتوزع توزعاً، يكاد يكون متساوياً، على جانبي الأحياد المحيطية ـ هو من أقوى الأدلة، التي سيقت لتأييد نظرية تكتونية الصفائح، وإثبات أن مناطق الحدود الصفائحية المتباعدة، هي مناطق بناء صخور جديدة في القشرة الأرضية.

ومن الشواهد الأخرى، التي تؤيد ذلك، كميات الرواسب في قيعان المحيطات، وتوزُّعها في عرض المحيط.

انبثق من ظن العلماء، أن المحيطات من الظواهر القديمة على سطح الأرض، توقعهم أن قاع المحيط، لا بد أن يكون مغطى بطبقة سميكة من الرواسب، التي تراكمت عليه، خلال عمر الأرض الجيولوجي، الذي يقدر بنحو 4.5 بلايين سنة. ولمَّا تمكن الإنسان من الوصول إلى أعماق المحيطات، وأخذ عينات من رواسبها، وجد حقيقتين مهمتَين، تؤيدان شواهد تجدد صخور قاع المحيط، باستمرار، من طريق عملية البناء والهدم، على أطراف الصفائح التكتونية، هما:

أ. أن سمك طبقات الرواسب في قيعان المحيطات، كان أقل كثيراً مما هو متوقع؛ وذلك بالنظر إلى عمر الأرض، ومعدلات تراكم الرواسب الحالية. ففي عام 1947، وجد علماء الزلازل على متن سفينة الأبحاث الأمريكية أتلانتس Atlantis، أن سماكة الطبقة الرسوبية في قاع المحيط الأطلسي أقل كثيراً جداً مما كانوا يتوقعون. وبالطبع فإن تعليل ذلك، هو أن صخور قاع المحيط، هي دائمة التجدد، وليس عمرها، هو عمر الأرض الجيولوجي؛ لذا، فالمدة الزمنية، المتاحة لتراكم الرواسب فوق القشرة المحيطية، المكونة لقاع المحيط، أقصر كثيراً جداً من العمر الجيولوجي للأرض.

ب. أن سماكة الرواسب في قاع المحيط، تزداد بعامة، بالتحرك من حيد وسط المحيط نحو الأطراف.

وهذه الحقيقة تتفق مع سابقتها، في تأييد فرضية تجدد القشرة المحيطية. فالصخور في القشرة المحيطية، يتقادم عمرها، بالتحرك من حيد وسط المحيط نحو الأطراف. فالطبقات الصخرية، البعيدة عن حيد وسط المحيط، أقدم؛ ما يجعل المدة الزمنية، المتاحة لتراكم الرواسب عليها، أطول.

ومن جهة أخرى، فإن كميات الرواسب، التي تصل إلى الأحواض المحيطية، من الهامش القاري، كبيرة. وذلك إذا أخذ في الحسبان ما تحمله الأنهار من رواسب، والتيارات الطوربيدية[27] Turbidity Currents، وكميات الرواسب الضخمة، التي تدفعها معها إلى القشرة المحيطية، قرب هوامش القارات.

تساؤلات محيرة، لم تجب عنها النظرية

1. تربط النظرية المناطق الناشطة تكتونياً[28]، على سطح الأرض، بحدود الصفائح التكتونية. فالحدود المتباعدة، والحدود المحافظة، يحدث فيها زلازل متكررة غير عميقة البؤرة. كما يحدث فيها أنشطة بركانية، وتدفقات لطفوح اللابة. والحدود المتقاربة، تحدث فيها الزلازل، القريبة البؤرة والمتوسطة والعميقة. كما تحدث، على طول امتدادها، تدفقات طفوح اللابة، مكونة نظيماً من المخاريط والغطاءات البركانية. والنظر إلى خريطة توزُّع الأنشطة، الزلازلية والبركانية، على الكرة الأرضية، يظهر أن هذا هو النمط العام للتوزُّع، الزلزالي والبركاني، على سطح الأرض، فعلاً. ولكن هناك استثناءات.

يوجد أماكن على سطح الأرض، تتعرض لثورانات بركانية، من حين إلى آخر، وفيها مخاريط بركانية ضخمة، وهي بعيدة عن حدود الصفائح؛ ولا يمكن تفسيرها، من منطلق الحدود الصفائحية الناشطة. وأبرز الأمثلة على ذلك جزر هاواي [29]Hawaii Islands، المكونة من جبال بركانية محيطية Hawaiian Sea Mounts، ترتفع فوق قاع المحيط أكثر من 9 آلاف متر. وتقع في وسط المحيط الهادي، بعيداً، عن الساحل الغربي لأمريكا الشمالية، بما يزيد على 3700 كيلومتر. فهذه الجزر البركانية، تبعد، إذاً، عن أقرب حد من حدود صفيحة المحيط الهادي، مسافة لا تقل عن 3700 كيلومتر.

فما هو تفسير حدوث البراكين والهزات الزلزالية، في هذا الموقع، وفي غيره من المواقع، التي تشهد تكوّن البراكين، بعيداً عن حدود الصفائح التكتونية؟ وكيف يخترق الصهير الصخري، من طبقة الوشاح، القشرة المحيطية، لتندفع حمم اللابة، مكونة تلك الجبال البركانية الشاهقة الارتفاع؟

قال الجيولوجي الكندي، توز ويسلون، عام 1963؛ وكان هو أول من أشار إلى وجود ما يسمى بالصدوع التحويلية، بنظرية، لتفسير هذه الظاهرة، أصبحت مشهورة باسم نظرية البقع الساخنة Hot Spots. يقول ويلسون، في نظريته، إن البراكين، في أماكن معينة من العالم، مثل جزر هاواي، ظلت ناشطة إلى فترات طويلة جداً من الوقت. وذلك يمكن أن يحدث، إذا كان هناك مناطق صغيرة (بقع)، ترتفع فيها الحرارة ارتفاعاً استثنائياً، مدة طويلة من الزمن، على حدود نواة الأرض مع الوشاح؛ أطلق عليها البقع الساخنة. وتشكل هذه البقع مصدراً محلياً للطاقة الحرارية العالية، وينتج منها تيارات حمل حراري، صاعدة في الصهير الصخري، في الوشاح، عرفت باسم الرَيَش الحرارية[30] Thermal Plumes.

ويعلل ويلسون الامتداد الطولي لجزر هاواي البركانية، في اتجاه شمال غربي، بأن صفيحة المحيط الهادي، في تحركها نحو الشمال الغربي، تمر فوق بقعة ساخنة، ثابتة الموقع Stationary. والريشة الحرارية، الناتجة من هذه البقعة، في الوشاح، تقع، اليوم، تحت جزيرة هاواي. وقد شكلت تلك البقعة الساخنة مصدراً حرارياً، لاندفاع الصهير في الوشاح إلى الأعلى، نتيجة لانخفاض كثافته؛ ما أدى ذوباناً جزئياً لصفيحة المحيط الهادي، فوق البقعة الساخنة. واندفعت حمم اللابة، لتكون جبالاً بحرية بركانية ناشطة، في قاع المحيط. وقد أدى تكرار الثورانات البركانية، وتراكم مزيد من اللابة، نمو المخاريط البركانية، حتى ظهرت فوق سطح الماء، مكونة براكين جزرية Island Volcano.

تبعاً لذلك، فإن الربط بين تحرك صفيحة المحيط الهادي نحو الشمال الغربي، الذي استمر عبر العصور الجيولوجية، وبين نظرية البقع الساخنة ـ يستلزم أن جزيرة كادي، وجزيرة إواهو، وجزيرة مولوكاي، وجزيرة ماوي (وهي مجموعة جزر هاواي، ومذكورة بالتسلسل، من الشمال إلى الجنوب) (انظر شكل تكوّن جزر هاواي) ـ كانت، في يوم ما، في مكان جزيرة هاواي الحالي، فوق البقعة الساخنة مباشرة. والواقع، أن الدلائل تشير إلى أن ذلك صحيح؛ فجزيرة كادي، هي أقدم الجزر الكبيرة في سلسلة هاواي، وقد تكون هي أول ما تكون منها؛ إذ إن عمرها، يعود إلى أكثر من خمسة آلاف سنة. وقدمها توضحه شواهد تعرية صخور مخاريط البراكين الخامدة. وتقل أعمار الصخور، بالاتجاه جنوباً، مع سلسلة جزر هاواي؛ فجزيرة أواهو، يراوح عمر الصخور فيها بين مليونين و200 ألف و3.3 ملايين سنة؛ وفي جزيرة مولوكاي، يراوح بين مليون و800 ألف، ومليون و300 ألف سنة؛ وتقل أعمار الصخور، في جزيرة ماوي، عن مليون سنة. وفي جزيرة هاواي، حيث تتدفق على سفوحها الجنوبية حمم اللابة، من بركاني ماونالوا Mauna Loa، وكيلاويا Kilauea الناشطين، لا يتجاوز عمر أقدم الصخور 800 ألف سنة (انظر شكل تكوّن جزر هاواي).