Home Page / / / Le Palais de L'Elyse









قصر الإليزيه

قصر الإليزيه

       جاء في معجم روبير الصغير[1] Le Petit Robert، أن الصفة Elysen في المذكر، وElysenne في المؤنث، ظهرت في عام 1512، وهي مأخوذة من الكلمة Elisies، بمعنى الحقل؛ وهي باللاتينية Elysius من Elysium، واشتقت في القرن الرابع عشر الميلادي[2].

       وقد أورد معجم المنهل، الاسم: إليزيه، وأورد له معنيين، أولهما: جنة الصالحين، والثاني: منتزه، ثم أورد الصفة، وجعل لها معنيين كذلك، أولهما: فردوسي، نعيمي، والثاني: نَزهٌ، ومُبْهج.

       وقال الدكتور إمام عبدالفتاح إمام، في معجم ديانات وأساطير العالم: " إليزيوم Elysium: في الأساطير اليونانية والرومانية، هي دار الموتى المباركين. ويروى في الأساطير اليونانية المبكرة، أنه يقع في جزر المباركين، في جزء بعيد عن الأرض. أما في الأساطير اليونانية والرومانية المتأخرة، فقد كانت تقع في سهل إليوزس، وكانت هذه الدار تستخدم، أحياناً، كاسم للعالم الآخر. ويروي فيرجيل Virgile، في الإنيادة، أنه التقى بوالده، المتوفى في حقول إليوزس، وهو اسم استخدمه شكسبير في مسرحية "سيدان من فيرونا" (الفصل الثاني مشهد رقم 7)، وهنري السادس: القسم الثالث (201)، واستخدمه الشاعر البريطاني شيللر، في قصيدة "اليوزيوم"، وكذلك في "أنشودة إلى نابلس"[3].

       وأورد معجم لاروس القرن العشرين تاريخ استخدام الكلمة، فقال: "إنها أصبحت في عهد الجمهورية الفرنسية الثانية، تطلق على الحكومة وسياسة لويس ـ نابليون بونابرت، الذي كان يسكن قصر الإليزيه. أما اليوم، فإنه يطلق على مبادرات رئيس الجمهورية الفرنسية؛ فيقال: صرَّح الإليزيه، ونُقل عن الإليزيه، والمقصود في هذا: ساكن الإليزيه، أي رئيس الجمهورية، وهذا أسلوب معروف بالعربية والفرنسية، ويقوم على حذف المضاف ليقوم المضاف إليه مكانه، على سبيل المجاز والانزياح عن المعنى الحقيقي، ومثال ذلك في العربية قوله تعالى في سورة يوسف: ]وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ[ (يوسف: 82)، أي اسأل أهل القرية.

       أمّا قصر الإليزيه، المقر الحالي لرئيس الجمهورية الفرنسية، فإنه سكن تاريخي، يمتد بين شوارع فوبور ـ سان ـ أونوري Faubourg-Saint-Honor والإليزيه L'Elyse، وشارع جبرييل Gabriel، وشارع مارينيي Marigny. وقد كان حي سان ـ أونوري، في بداية القرن الثامن عشر، أرضاً منبسطة من المراعي، فيها بعض المنازل المسقوفة بالقش، ويقطنها عدد من المزارعين والرعاة؛ وعلى مقربة من هذه المنازل، كانت توجد قطعة أرض كبيرة، هي عبارة عن هضبة غير مرتفعة، يملكها المهندس المعماري موليه Mollet، الذي باعها عام 1718 لكونت إيفرو Comte d'Evreux المسمى هنري دو لاتور دو فيرنيي Henri de La Tour D'Auvergne. وقد نص عقد البيع على أن يقوم المهندس موليه بتشييد قصر كبير، يصلح مقراً لإقامة الكونت، وأطلق عليه، حينئذٍ، "فندق إيفرو = Htel d'Evreux"، وكان هذا الترتيب بداية لنمو مقاطعة فوبور ـ سان ـ أونوري. ولم يخيّب موليه حسن ظن كونت إيفرو، فقد شيد قصراً مهيباً، بين عاميْ 1718 ـ 1722، على أحدث الأسس المعمارية، في ذلك الحين، فكان مضرباً للأمثال، ومزاراً للمهندسين، ليتعلموا منه أسس البناء. ويُعد قصر الإليزيه أفضل الأمثلة على الذوق الكلاسيكي في العمارة، الذي انتشر في أوروبا، حينئذٍ. كان القصر يتكون من بهو كبير، يفضي إلى فناء فسيح، عبر باب كبير فيه أربعة أعمدة. ويوجد في هذا البهو صالون استقبال كبير، تطل جميع نوافذه على الحديقة التي تزدان بالورود والتماثيل. ويتصل هذا البهو ببناء مكون من ثلاثة طوابق، يُعْرَف بالمبنى الرئيسي للقصر، يتصل الطابق الأرضي بجناحين مكونين من طابق واحد للإقامة. وقد أُدخل على القصر كثير من التغييرات على مدى القرون، إلا أنه احتفظ بطابعه العام، حتى يوم الناس هذا، بسبب تصميمه الخارجي المؤهل لتحمُّل التعديلات والإضافات الجديدة واستيعابها. وهذا ما حصل فعلاً، فقد سمح تصميم القصر لكل مالك، على تتابعهم عبر تاريخه، أن يجري فيه التعديلات التي تناسب ذوقه وحاجته. وقد كانت هناك تعديلات جوهرية، بحسب الاستخدام الذي من أجله يُجرى التعديل، أو بحسب الذوق الذي كانت تمليه طبيعة "الموض ة"، أو رغبة الساكنين. وقد ترك كونت إيفرو، عند وفاته في عام 1753، منزلاً ذا أبهة راقت لذوق جميع معاصريه، بما فيهم بلونديل Blondel، الذي رآه أجمل منزل في منطقة مدينة باريس.

       ثم علمت جان أنتوانيت بواسون Jeanne - Antoinette Poisson Pompadour مركيزة بومبادور، (1721 ـ 1764)، أثناء بحثها عن مسكن في باريس، عن رغبة مالكه في بيعه، فاشترته، وطلبت من مهندسها المعماري المفضل لاسورانس Lassurance، أن يعيد تصميم المجلس الرسمي State Chamber، والطابق الأول، والحديقة. فصمم الرواق المعمد عند مدخل المبنى، وسياج الشجيرات، ومساقط المياه (الشلالات). ثم أوصت السيدة بومبادور بتوريث لويس الخامس عشر Louis XV المسكن بعد وفاتها، فُجِعل في البداية مقراً للسفراء فوق العادة، في باريس، بقرار ملكي في الرابع عشر من أغسطس من عام 1765م. ثم حوِّل إلى مكان لعرض الصور الزيتية للمرافئ الفرنسية. وفي عام 1773، اشترى التاجر نيكولا  بوجون Nicolas Beaujon حق الانتفاع بالقصر، فطلب بوجون من مهندسه بولييه Etienne - Louis Boulle أن يُجري فيه عدداً من التغييرات فزاد في جناح الشقق الصغيرة، حتى تصل إلى شارع إليزيه Champs - Elyses، مشكلاً زاوية قائمة. وما زال "الصالون الفضي" Salon d'Argent الموجود حالياً يحتفظ بالبودوار Boudoir (مخدع السيدة أو حجرة لبسها) المغطى جداره بالمرايا. أما الرواق الممتد بطول الشقق الصغيرة، فتظهر فيه مجموعة الصور الزيتية التي كان يملكها التاجر نيكولا بوجون، والتي تضم عدداً من الأعمال المتميزة، منها عمل فرانز هالز Franz Hals، "الفتاة البوهيمية" Bohemian Girl، وعمل هولبين Holbein، "السفراء" Ambassadors. وعُملت تغييرات مهمة أخرى في المبنى الرئيسي: فحُوِّل المجلس الرسمي State Chamber إلى نصف دائري، وقُسِّمت قاعة مجلس النواب، وأضيفت الديكورات الخشبية المنقوشة، وبُني البيت الزجاجي لزراعة النباتات، في جناح الحمامات Appartement des Bains، ونُظّمت حديقة القصر على الطريقة الإنجليزية، بشرفات، ومجموعات شجرية، ومم رات ملتوية، وجداول مائية تصب في بحيرات صغيرة اصطناعية. ويبقى هذا التصميم يمثل مخطط متنزه القصر إلى يومنا هذا.

       ثم خصصه لويس السادس عشر Louis XVI لسكنى السفراء فوق العادة، كما فعل جده من قبل. وفي عام 1787م، باعه إلى ابنة عمه، دوقة بوربون La duchesse de Bourbon، فغيرت اسمه إلى "فندق بوربون" Htel de Bourbon. ثم غير بيير باري جزءاً من عمل المهندس بولي Boule، فأصبح جزء من الرواق الذي خصص للصور الزيتية، يستعمل غرفة نوم للدوقة؛ ويضم الآن مكتبة نابليون الثالث.

       وفي أثناء الثورة الفرنسية، وبعد القبض على الدوقة في أبريل 1793م، خصص فندق البوربون (اسم القصر بعد تغييره) لاستخدامات أخرى متعددة. وفي عام 1794، أصبح مقراً لهيئة نقل القوانين والأنظمة، وداراً للمطبعة التي تتولى طبع النشرة القانونية. وبعد أشهر، حُوِّل القصر إلى مستودع وطني للأثاث المصادر من المهاجرين migrs، ومن الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام.

       ثم أُطلق سراح الدوقة (دوقة بوربون)، في عام 1795، واستعادت ملكية القصر في شهر يناير في عام 1797، غير أنها، بسبب ضائقة مالية، أجّرت الدور الأرضي من القصر، وسمحت للتاجر هوفين Hovyn، وهو من سكان القصر المستأجرين، أن يهيئ غُرف الرسم والحديقة للرقص لعامة الناس، فقام ببناء رواقين مسقوفين على جنبتي المدخل، ليسهل دخول الناس إلى الصالون الرئيسي (الكبير) Great Salon. وفي هذا الوقت بالضبط، أخذ القصر اسم الإليزيه Elyse. ثم عرضته الدوقة، وهي في منفاها في إسبانيا، للبيع بالمزاد العلني، فاشترته عائلة التاجر هوفين، وأجرت بعض أجزائه سكناً للناس. وهنا يأتي اسم الكونت والكونتيسة ليون دو فينيي Lon de Vigny، وابنهما الرابع ألفريد Alfred، الشاعر المعروف، لأنهما جاءا ليسكنا في قصر الإليزيه، في هذه الفترة. ثم اختفت موضة الحفلات الراقصة العامة التي فُتح القصر من أجلها، فاضطرت ابنة التاجر هوفين إلى بيع القصر في عام 1805، لتسدد ديونها، فاشتراه جواكيم موراه Joaquim Murat، مارشال فرنسا 1767 ـ 1815)، وكلف المهندسيْن بارتليمي فينيون Barthlmy Vignon، وبارتليمي تيبو Thibault، بتجديده، وإحداث التغييرات اللازمة له. ففعلا، وزاد الأول تصميم كنيسة مادلين Madeleine Church. وقد بنى هذان المهندسان بيت السلم الكبير، على يسار المدخل الرئيسي، وحوّلا رواق الصور إلى قاعة رقص، وهي المسماة الآن "صالون موراه". وفي الجناح الغربي صمما قاعة طعام ضخمة.

       أما جناح الشقق الصغيرة فأصبح سكناً لكارولين موراه Caroline Murat، ولكن لم يبق منه في هذا الوقت إلا الصالون الفضي Salon d'Argent. وأما الطابق الأول من المبنى الرئيسي، فأخذه الأمير؛ وأما ولدَا كارولين Caroline وجواكيم Joaquim، فيسكنان في الطابق الثاني. وفي مرحلة تالية، خصص نابليون هذا الطابق (الطابق الثاني) لابنه، ملك روما.

       وبعد أن أصبح موراه ملكاً على نابولي Naples (في إيطاليا)، في عام 1808م، أعطى نابليون كل ممتلكاته في فرنسا، بما في ذلك قصر الإليزيه، وغُير اسم الإليزيه، إلى اسم الإليزيه النابليوني Elyse - Napolon. وأصبح تاريخ القصر، من هذه الفترة، ممتزجاً بتاريخ فرنسا نفسها.

       انتقل الامبراطور (نابليون) إلى جناح كارولين، وابتدأ حياته فيه من الأول من شهر مارس من عام 1809 إلى أن خرج في حملته على النمسا. وبعد انفصاله عن زوجته جوزفين Josphine، آلت إليها ملكية القصر، ثم استعاده نابليون في عام 1812، وبقي الإليزيه شاهداً على تاريخ الإمبراطورية (الفرنسية) إلى ساعاتها الأخيرة، حيث وقع نابليون تنازله عن العرش فيه، وعلى وجه التحديد في غرفة البودوار الفضية Boudoir d'Argent.

       وقد سكنه ألكسندر، قيصر روسيا، في أثناء احتلال الأحلاف لمدينة باريس، ثم وُضع القصر تحت تصرف دوق ويلينجتون Duke of Wellington في شهر نوفمبر من عام 1815م. وفي عام 1816م، أصبح جزءاً من ممتلكات الإمبراطورية، فأعطاه لويس الثامن عشر Louis XVIII ابن أخيه، دوق بري Duc de Berry، بمناسبة زواجه (أي ابن الأخ) بماري ـ كارولين، دوقة بوربون.

       وفي عام 1820، تملك لويس فيليب Louis Philippe القصر، ليكون سكناً لضيوف الملك الأجانب. وبقي كذلك إلى عام 1848م. وفي أثناء مدة الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية الثانية، أعطي القصر اسم Elyse Nationale، الإليزيه الوطني، وفتحت حدائقه العامة. وفي الثاني عشر من شهر ديسمبر من عام 1848م، أصدرت الجمعية الوطنية مرسوماً يقضي بجعل قصر "الإليزيه الوطني" مسكناً لرئيس الجمهورية الفرنسية.

       وانتقل إليه الأمير ـ الرئيس لويس نابليون، في اليوم العشرين من شهر ديسمبر من عام 1848م، قبل امتلاك قصر تويلري Tuileries في عام 1852م. وفي عام 1853، أصبح قصر الإليزيه مسكناً لأوجيني دو مونتيجو Eugnie de Montijo، محظية الإمبراطور، وأمر نابليون الثالث بتجديد القصر كله، وكلف بذلك المهندس جوزيف أوجين لاكروا Joseph - Eugne Lacroix. ويعد البناء الحالي للقصر امتداداً لبناء القصر في هذه الحقبة الزمنية، وتعد التغييرات المتعددة التي أُكملت في عام 1867م، آخر التغييرات المهمة في تاريخ القصر. وقد تمت تلك التغييرات في الجناح الغربي المحاذي لشارع مارينيي، وفي غرف الاستقبال في الطابق الأرضي، وفي شقق الطابق الأول. وفتح الإمبراطور شارع الملكة هورتانس Avenue de la Reine Hortense (وهو المسمى الآن شارع الإليزيه Rue de Elyse)، وضاعف مساحة غرف الشقق الصغيرة، دون أي تأثير على غرفة البودوار الفضية. وزودت غُرف المبنى الرئيسي بسلسلة أخرى من الأبواب التي تفتح الغرف على بعضها. وأعيد تزيين (ديكور) الطابق الأول في المبنى الرئيسي. وبُني في الطابق الأرضي من الجناح الشرقي كنيسة صغيرة، تطل على الفناء الرئيسي للقصر. وغُيرت بالكلية بوابة المدخل، فبنيت على شكل قوس النصر. وفُتحت النوافذ على جانب القصر من جهة شارع فوبور سان أونوري.

       وانتهى العمل في التجديدات في القصر مع موعد الاحتفالات بالمعرض العالمي لعام 1867، واستقبلت فيه شخصيات عالمية، مثل: قيصر روسيا ألكسندر الثاني، والسلطان العثماني عبدالعزيز، وإمبراطور النمسا فرانز جوزيف Franz-Josef .

       أما في عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة، فلم تطرأ على القصر الرئاسي أية تغييرات معمارية رئيسية، ولو أن هناك بعض التحديثات فيه، مثل تمديدات الكهرباء، وخطوط الهواتف، وشبكة التكييف المركزي.

       وأُغلق القصر من اليوم الثالث عشر من شهر يونيه من عام 1940م إلى عام 1946م. واستعاد له الرئيس أوريول Vicent Auriol وضعه الرئاسي، فألغى فيه بعض الغرف مثل صالون البومبادور Salon Pompadour وفي عهد الجمهورية الفرنسية الخامسة، حُوّلت بعض غُرف الطابق الأول إلى مكاتب، فأصبحت "الغرفة الذهبية" Salon Dor مكتباً للرئيس، وأخذ كبار موظفي الجمهورية مكاتبهم في شقق يوجين، وتحول مجلس الوزراء إلى الطابق الأول. وكل رئيس من رؤساء الجمهورية يعمل تعديلاته التي تناسب حاجته وذوقه. غير أن القصر رغم التغييرات الجوهرية التي نُفذت فيه، لم يحتفظ بتماسكه المعماري الكلي.

       إن بناء هذا الصرح الذي استعرضنا تاريخه، وكيف تداولته الأيدي إلى ما هو عليه الآن، تم، حسب ما تذكر الروايات، بسبب قصة من أطرف قصص المزاح في التاريخ. فقد شُيّد القصر، كما ذكر آنفاً، في عام 1718م، عندما كان الكاردينال جول مازاران Jules Mazarin (1602 ـ 1661) نائباً لملك فرنسا لويس الثالث عشر؛ لأنه عندما توفي لويس الثالث عشر، تولت زوجته الملكة آن دوتريش Anne d'Autriche (1601 ـ 1666) الوصاية على العرش، إذ كان ابنها لويس الرابع عشر في الخامسة من عمره، وعهدت إلى وزيرها مازاران إدارة دفة الحكم بالنيابة عنها، بوصفه نائباً للملك. وكان مازاران رجل دولة من الطراز الأول، ولكنه، بقدر ما كان ثرياً محباً لجمع المال، كان شغوفاً بالاطلاع على أسرار النبلاء وخباياهم، ومعرفة ما يجري في قصورهم. وبقدر ما كان بخيلاً حتى في الإنفاق على نفسه، كان عدواً للبخلاء، دائم السعي إلى إيذائهم، والاقتصاص منهم، ودفعهم إلى الإنفاق، لسبب، ولغير سبب. وكان النبلاء يتندرون ببخل أحدهم، وهو كونت إيفرو، ويروون الطرائف والفكاهات الفريدة عن مبلغ حبه للمال وحرصه عليه؛ فأراد مازاران الانتقام منه، بإهدار قدر من ماله، بأي وسيلة من الوسائل. وفي أحد لقاءاته معه، وعده مازاران بأن يزوره في قصره، إذا هو شيد قصراً، يليق باستقبال نائب الملك. فبادر كونت إيفرو بتشييد القصر، وتأثيثه بأفخر الأثاث، بأسرع وقت ممكن، آملاً بأن يحظى بشرف زيارة نائب الملك، مما يزيد في قدره أمام زملائه النبلاء. ولمّا أتم بناء القصر، أسرع إلى مازاران، يحمل إليه بشرى بناء القصر، ويذكره بوعده بزيارته، ولكنه كاد أن يصعق من الحزن والحسرة، عندما أبلغه مازاران أن وعده لم يكن أكثر من مجرد مزحة متعمدة، لحمله على بناء قصر لائق لسكناه، أسوة بزملائه النبلاء.

       أما الشارع المشهور المسمى: الشانزيليزيه في باريس Avenue des Champs Elyses، أي شارع حقول الإليزيه، فإنه مكان نزهة وتسوق مشهور، بين ساحة الكونكورد وقوس النصر، في الإيتوال، وطوله 1880 متراً، وفيه عدد كبير من المطاعم ودور السينما[4].

        وتقام فيه حفلات التكريم الرسمية، وتقليد الأوسمة للشخصيات الفذة التي أدت أعمالاً جليلة للجمهورية الفرنسية، أو للبشرية جمعاء.

        ويقام في الحديقة، كل عام، في شهر يوليه، احتفال رسمي بمناسبة ذكرى الثورة الفرنسية، تدعى إليه نخبة من كبار الشخصيات الفرنسية.

        وبوصف هذا القصر مسكناً لرئيس الدولة، ومقراً لمكتب الرئيس، إلا أن هذا البيت الخاص القديم، في مدينة باريس، لم يزل رمزاً قوياً لجمهورية فرنسا.

        إن تاريخ قصر الإليزيه، تاريخ حافل بالأحداث، ويخفي وراء جدرانه قصصاً كثيرة، وأكثر غرابة، ولكنها قصص السكان الذين تعاقبوا عليه؛ إنها صفات قد تمثل حب السيطرة والطغيان، أو الشراهة والطموح، أو الدهاء والاحتيال، أو الإغراء والتهديد، أو المفاخرة وحب الظهور، أو الوفاء والتكريم، أو مجرد المزح والفكاهة، كما رأينا في قصة الإليزيه.

 



[1] طبعة عام 1984، ولم يثبت كلمة Elyse الاسم، بل اكتفى بالصفة، اُنظر ص 620. وجاء في معجم لاروس القرن العشرين، مج3، ص 115، أن هناك نسبة إلى الإليزيه للدلالة على النعيم فيقال: ظل إليزي، أي: وارف، وسعادة إليزية، أي: غامرة. وهذه النسبة للقصر الذي كان يسكنه الأمير لويس نابليون، بعد انتخابه رئيساً للجمهورية الفرنسية الثانية عام 1848م. وذكر المعجم أنه يقال: حزب إليزي، وسياسة إليزيه.

[2] وجاء في معجم لاروس القرن العشرين في ستة مجلدات، مج3، ص 115، أن كلمة Elyse = إليزيه مأخوذة من اليونانية lusion ، المأخوذة من elthein بمعنى venir = أقبل. ومعنى إليزيه هو المكان الذي تذهب إليه الأرواح. وفي علم الأساطير، تحمل معنى المكان الرائع الذي يأتي بعد جهنم، حسب الوثنيين؛ وهو المكان الذي تذهب إليه أرواح الأبطال والرجال الفضلاء.

[3] جاء في معجم لاروس القرن العشرين، مج 2، ص 118، أن هوميروس الشاعر اليوناني وصاحب الإلياذة، والشاعر الروماني (نسبة إلى روما  في إيطاليا) فيرجيل، صاحب الإنيادة، جعلا حقل الإليزيه بالمعنى الأسطوري في مركز الأرض، وجعلها غيرهم في جزر الكناري.

[4] ومما يجدر ذكره أن الصفة Elysen في المذكر Elysenne في المؤنث بالمعنى الأسطوري، جاءت في عبارة للأديب الفرنسي مارسيل بروست، وترجمة العبارة: "عادت الطبيعة إلى فرض بهائها على الغابة التي انطلقت منها فكرة أنها الحديقة المباركة للمرأة".