إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات سياسية عسكرية / حرب أكتوبر 1973، من وجهة النظر الإسرائيلية




أهارون باريف
إرييل شارون
حاييم بارليف
دافيد بن أليعازر
يسرائيل تال
شموئيل حونين
كلمان ماحن
عساف ياجوري

أوضاع القوات يوم 6 أكتوبر
هجوم مجموعة عمليات 143 مدرع
هجوم مجموعة عمليات آدن
أعمال قتال يوم 17 أكتوبر
أعمال قتال يوم 18 أكتوبر
الهجوم على رؤوس الكباري
الهجوم قبل ظهر 8 أكتوبر
التقدم الإسرائيلي غرب القناة
الخطة إبيراي هاليف
جبهة القناة يوم 24 أكتوبر
جبهة قناة السويس
خطة الهجوم الإسرائيلي
خطة الهجوم على السويس
عملية العبور في الدفرزوار

أوضاع القوات السورية
أقصى مدى للاختراق السوري
الاختراق على الجبهة السورية
تطور القتال على الجبهة السورية



حرب عام 1967

المبحث الثاني عشر

حرب أكتوبر 1973 على الجبهة السورية

"وجهة نظر إسرائيلية"

أولاً: اجتماعات في الأركان العامة الإسرائيلية قبل الهجوم

في مبنى الأركان العامة المتعدد الطوابق، وفى حجرة مدير الاستخبارات، يستمع المراسلون العسكريون لعرض من الجنرال إيلى زعيرا، مدير الاستخبارات العسكرية، ويوضح زعيرا الموقف قائلاً: إذا بدأ العرب بإطلاق النار، فانهم سوف يزعمون بعد ذلك أننا بدأنا الحرب".

وقبل الساعة الثانية بدقائق معدودة، يدخل سكرتير مدير المخابرات ويقدم إليه ورقة. وينظر زعيرا في الورقة بسرعة، ثم يخرج من الحجرة مسرعا ويقول للصحفيين "سيكون كل شئ على ما يرام". ويضيف قائلاً لأحد الصحفيين الذي سأل هل حدث شيء خاص: "لا شيء" لقد كان مكتوباً على الورقة التي تلقاها زعيرا: "فتح المصريون والسوريون النار".

وفى طابق آخر من المبنى، يستعد رئيس الأركان العامة للتباحث مع قائد القيادة الشمالية، إسحاق جوفى. حول خطته في الدفاع إذا أطلق السوريون النار. ويصل إلى الجلسة قائد السلاح الجوى السابق، في حرب الأيام الستة، الجنرال مردخاى هود. وكان قائد السلاح الجوى "باني بيليد"، قد اتفق مع هود صباح اليوم، على أن يتجه هود إلى الشمال، ويعمل مستشاراً لقائد القيادة الشمالية لشئون الطيران. وبينما يتباحث القادة، يسمع صوت في غرفة العمليات يصيح أيها القائد، لقد فتح السوريون النار، وكذلك في القناة‍".

وفى غرفة جلسات الحكومة، كان الوزراء المجتمعون، مع رئيسة الوزراء يتباحثون كذلك، فقد سأل أحد الوزراء: ماذا على إسرائيل أن تفعله إذا أطلقت مصر النار وحدها. هل على جيش الدفاع الإسرائيلي أن يعمل أيضاً ضد السوريين؟ يعترض بنحاس سابير، وزير الخزانة، على محاربة السوريين إذا هاجم المصريون فقط. وأثناء الحديث، يدخل السكرتير العسكري لجولدا مائير، وينحني على جولدا، ويهمس في أذنها، فترتفع عينها وتقول: "لقد بدأ السوريون والمصريون الحرب".

ثانياً: الموقف على الجبهة السورية

كان حجم القوات السورية في الجولان خمس فرق، إضافة إلى عدة ألوية مستقلة ووحدات إسناد من مختلف الصنوف. وقد وضعت ثلاث فرق مشاة في الخط الأول (النسق العملياتي الأول)، مستعدة للدفاع، في حالة حدوث هجوم إسرائيلي وقائي، ومباغت. كما يمكنها التحول للهجوم من نفس أوضاعها الدفاعية، وهو ما تدربت عليه، طوال السنوات الماضية. كانت الألوية المدرعة المستقلة في الخط الثاني (النسق العملياتي الثاني)، وعليها مساندة الفرق المشاة في الدفاع بشن هجمات مضادة، في المناطق المحتمل اختراقها بواسطة القوات الإسرائيلية، كما كانت مكلفة بدعم الفرق المشاة (بواقع لواء مدرع، لكل فرقة مشاة) عند التحول للهجوم. أما الفرق المدرعة، فقد كانت تتمركز في الخلف بالقرب من الخط الثالث، في مناطق انتشار، وكانت مكلفة بتدمير القوات المدرعة الإسرائيلية، التي نجحت الفرق المشاة والألوية المدرعة المستقلة في صدها على الخط الثاني، أو تدفع لاستكمال تدمير القوات الإسرائيلية والوصول إلى نهر الأردن، عند التحول للهجوم.

كانت الفرق المشاة الثلاث هي الفرقة السابعة بقيادة العميد عمر إبراش، والتاسعة بقيادة العميد حسان تركماني، والخامسة بقيادة العميد على أصلان. وكل فرقة مع لواء مدرع مستقل به حوالي 130 دبابة. أما الفرق المدرعة فقد كانت الفرقة الأولى بقيادة العقيد جيهاني، الفرقة الثالثة بقيادة العميد مصطفى سرايا، وبكل فرقة 250 دبابة.

يصل إجمالي القوات السورية المستعدة لشن الهجوم 1500 دبابة يساندها حوالي 1000 مدفع من مختلف الأعيرة، ونظام دفاع جوي متكامل، يعتمد على الصواريخ الموجهة المختلفة المدى، تشكل حائط صد للطائرات الإسرائيلية، قريب الشبه بالحائط المصري.

وعلى الجانب الآخر تدافع القوات الإسرائيلية، في لوائين مدرعين، هما اللواء السابع في القطاع الشمالي، واللواء 188 في القطاع الجنوبي، بإجمالي 170 دبابة، وتدعمها حوالي 60 قطعة مدفعية. كانت مواقع القوات الإسرائيلية، على امتداد خط الجبهة، الذي يصل إلى 45 ميل، مكونة من 17 موقع حصين، يدعم كل موقع فصيلة دبابات (3 دبابة)، بينما تمركزت ثلاثة احتياطيات، في العمق القريب، لتحقيق التوازن الدفاعي.

ثالثاً: الخطة السورية للهجوم

بنيت الخطة السورية على أساس الهجوم بالفرق المشاة الثلاث: السابعة والخامسة والتاسعة، وبمجرد عبورها الخندق المضاد للدبابات تنشئ رؤوس جسور على الجانب الآخر، ثم تتقدم الفرقتان الأولى والثالثة المدرعتين وتندفعا خلال الفرق المشاة بسرعة، لتكتسح فلول الوحدات الإسرائيلية، ويكون هدف المدرعات السورية الوصول لنهر الأردن لتحرر الجولان.

كانت الخطة تقضي باحتلال كل مرتفعات الجولان، بنهاية يوم 7 أكتوبر 1973، ثم إعادة تنظيم الدفاع على طول نهر الأردن.

وحتى يمكن تنفيذ ذلك المخطط، كان على الفرق المشاة الثلاث، المدعمة بالدبابات، تدمير الدفاعات الإسرائيلية غرب الخندق، ومتابعة التقدم إلى عمق عشرة كيلومترات، لتهيئ الموقف لاندفاع الفرقتان المدرعتان، الأولى والثالثة، التي عليها مواصلة اختراقها من أجل الوصول إلى نهر الأردن كمهمة نهائية، والاستعداد لصد وتدمير احتياطيات العدو التي ستسرع حتماً لمقابلة الفرق السورية المدرعة وصدها، ويصبح الدخول معها في معارك تصادمية عنيفة أمراً وارداً، يجب الاستعداد له.

كان مخططاً أن يتم الهجوم السوري على محورين:

الأول في الشمال: عند مدخل القنيطرة حيث يشارك في الهجوم نحو 200 دبابة.

الثاني في القطاع الأوسط: يتم هجوم في شعبتين ويتم بقوة 600 دبابة كالآتي:

·   الشعبة الأولى: في اتجاه معسكر نافح وجسر بنات يعقوب على نهر الأردن.

·   الشعبة الثانية: تتجه إلى الجنوب نحو رامات مجشيمين وال ـ عال، ثم تطور الهجوم صوب مصب نهر الأردن في بحيرة طبرية، وجسر أريك على نهر الأردن. (اُنظر خريطة أوضاع القوات السورية)

رابعاً: بدء الهجوم السوري يوم 6 أكتوبر 1973

في الساعة الثانية ظهر يوم السبت، السادس من أكتوبر 1973، بدأ الهجوم السوري بقصف جوى ثم بتمهيد نيراني بحشد كبير من المدفعية، استمر لمدة خمسون دقيقة، وتحت ستر هذا الهجوم، تحركت القوات السورية من مواقعها الدفاعية نحو الخندق المضاد للدبابات، على طول خط وقف إطلاق النيران (الخط الأرجواني)، وبدأت في إنشاء ممرات، في الخندق المضاد للدبابات، باستخدام معدات هندسية خاصة، حتى يمكن للدبابات أن تعبر عليها لتنطلق نحو الطريق العرضي "مسعدة ـ القنيطرة ـ رميزا". وفي اتجاه جبل حرمون، انطلقت الطائرات العمودية، محملة بقوات من المغاوير (صاعقة) لتهاجم المواقع الإسرائيلية على الجبل[1]. كانت القوة الإسرائيلية في هذا الموقع نحو 50 فرداً، محصنة داخل مواقع تؤمنها من نيران المدفعية والقصف الجوى، ولكن نظام الدفاع عن الموقع لم يكن قد استكمل بالكفاءة المطلوبة.

خامساً: الهجوم على موقع حرمون

في الساعة الثانية بعد الظهر، فتحت المدفعية السورية نيرانا كثيفة على قلعة جبل حرمون (جبل الشيخ) على ارتفاع 2000 م فوق سطح البحر، عند أقصى الشمال من الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967. وقد بنيت هذه القلعة الحصينة في عمق الجبل وبين الصخور. وسارع جنود الموقع إلى مواقع إطلاق النار، محاولين الاختباء من قذائف المدفعية السورية.

وعلى حين غرة، وعلى طول الوديان الصغيرة المواجهة لهم، ظهرت مجموعة من الطائرات العمودية من أربع طائرات حاولت الهبوط في منخفض قريب، أصيبت إحداها بنيران المدافع المضادة للطائرات الإسرائيلية، وتمكنت الأخريات من الهبوط، وبدأت القوة السورية في الاندفاع نحو الموقع لمهاجمته، اضطر الهجوم المباغت، أفراد الحامية إلى ترك مواقع إطلاق النار والدشم، وتسللوا إلى داخل الملاجئ الحصينة في باطن الأرض، انتظاراً لوصول الطيران الإسرائيلي والتعزيزات طبقاً لخطة الدفاع المدربين عليها. وكانت ملاجئ مغطاة بطبقة سميكة من صخور البازلت، وتبرز منها عدة مواسير للتهوية، وتحت الطبقة الصخرية، التي يمكن أن تصمد لأية قنابل أو قذائف لدى السوريين، أنشئ مبنى من ثلاث طوابق في باطن الأرض، ذو حوائط سميكة من الأسمنت المسلح، وأبواب من الصلب. خلال فترة وجيزة، تمكن السوريون من محاصرة الموقع من الخارج، وبعضهم في الوصول لإحدى فتحات الطوارئ في الدشمة من الخارج وتمكنوا من فتحها والتدفق إلى الداخل. بدء السوريون في اقتحام المبنى من الداخل، ودمروا أجهزة الرادار الإسرائيلية التي صادفتهم.

كان من الصعب على السوريين اقتحام الأبواب الفولاذية المغلقة من الداخل، لذلك ألقوا قنابل الدخان في فتحات التهوية، واضطر الجنود الإسرائيليين إلى الخروج من الملاجئ رافعي الأيدي، وسقط الموقع في أيدي السوريين بكل ما فيه من معدات. والواقع أن المعدات الإلكترونية التي استولى عليها السوريون، كانت ذات قيمة كبيرة للسوفيت، لذلك بدأت القوات السورية في فكها من أماكنها فوراً، لنقلها بالطائرات العمودية إلى دمشق.

سادساً: الهجوم على الجولان

بدأ السوريون هجومهم بتمهيد نيراني من المدفعية بأكثر من ألف مدفع، مركزين نيرانهم على المواقع الأمامية ومراكز القيادة وشبكة الاتصالات ومواقع المدفعية والدفاع الجوى، وتقدمت القوات المشاة نحو الدفاعات الإسرائيلية، ولم تكن أمام السوريين أية عقبة طبيعية تعطلهم، وفى بعض النقاط، كان يتعين عليهم أن يعبروا الخندق المضاد للدبابات، وهو خندق عريض ذو جوانب حادة الميول، ولكن لم يكن ذلك سوى عقبه فنية. وحتى يمكن للسوريين أن ينطلقوا، كان لابد من مهاجمة أو حصار التحصينات الإسرائيلية المتناثرة، والمزودة بكافة أنواع الأسلحة المضادة للدبابات.

اعتمد الهجوم السوري أساساً على سرعة دفع الفرقتين المدرعتين، التي ستهاجم على ثلاثة اتجاهات، ولم يكن من مهامها مهاجمة المواقع الحصينة الإسرائيلية، إنما كان عليهما الانطلاق وبسرعة نحو نقاط الاتصال وطرق المواصلات الرئيسية في الجولان، مركز بَيْن هجومهما على القطاع الأوسط والجنوبي من الجبهة.

بدأ السوريون في إقامة الجسور عند أول الساتر الترابي، مستخدمين آلات جرف آلية لردم الخندق، إضافة إلى استخدام الكباري، وكان من الصعب على الإسرائيليين إصابة تلك المعدات حيث لا يصل مدى الأسلحة المضادة للدبابات إليها، إلا أن الطائرات الإسرائيلية تمكنت من تدمير عدة دبابات كانت تستعد للعبور على الكباري.

في القطاع الشمالي من الجولان، هوجم اللواء السابع المدرع الإسرائيلي، بواسطة الفرقة السابعة المشاة، مدعمة بعناصر من الفرقة الثالثة المدرعة ولواء مغربي. وفى القطاع الأوسط، حيث يدافع اللواء 188 المدرع الإسرائيلي، وحيث يتركز المجهود الرئيسي للقوات السورية، هاجمت الفرقتان الخامسة والتاسعة المشاة تدعمهما عناصر من الفرقة الأولى المدرعة، وخلال عدة ساعات، تمكنت عناصر من اللواء 188 مدرع من إيقاف الهجوم المدرع السوري، على طريق التابلاين، بقوة اللواء 90 مدرع السوري.

وعلى الاتجاهات الأخرى، من نقطة الاتصال عند (الرفيد) شددت القوات السورية هجومها، وحاصرت المواقع الإسرائيلية الحصينة وعزلها تماماً.

كان السوريون يتقدمون بسرعة كبيرة، حتى أن السلاح الجوى الإسرائيلي، كان يجد صعوبة في معاونة القوات الإسرائيلية المدافعة في اليوم الأول للقتال، فالدبابات السورية قريبة جداً من الدبابات الإسرائيلية، وزادت وحدات الصواريخ المضادة للطائرات السورية من صعوبة عمل الطيارين الإسرائيليين، الذين أصبحوا يخشونها، بعد أن فقدوا زملاء لهم.

واصل السوريون هجوهم في المساء، إذ كانت دباباتهم مجهزة للرؤية الليلية بالأشعة تحت الحمراء. كان تناثر الوحدات المدرعة الإسرائيلية في مواجهة كبيرة، أحد العوامل التي سهلت على القوات المدرعة السورية الاختراق بسرعة، وتدمير الجزء الأكبر من القوات الإسرائيلية المدافعة.

تمكنت الدبابات السورية فى منتصف ليلة 6/7 أكتوبر 1973 من الوصول على مسافة عدة كيلومترات من معسكر نفاخ "على الطريق الرئيسي" بين جسر بنات يعقوب والقنيطرة والذي كانت قيادة المنطقة الشمالية تفتح مركز قيادتها فيه. وفى الثانية صباحاً، اضطر قائد المنطقة الشمالية إلى إخلاء مركز قيادته من معسكر نفاخ[2].

في الساعات الأولى من يوم 7 أكتوبر 1973 بدأت وحدات الاحتياط في الوصول إلى الجبهة، للاشتراك في صد الهجوم السوري وفى الوقت نفسه قامت وحدات الصواريخ أرض أرض السورية بإطلاق الصواريخ على مستوطنات وادي يزراعيل وكان القصف غير الدقيق، والواقع أنهم كانوا يحاولون قصف مطار رامات دافيد.

وفى الساعة الثانية فجراً وصل موشى ديان وزير الدفاع إلى مركز قيادة السلاح الجوى، وأبلغ بليد بأنه "يجب التغاضي عن الجبهة المصرية فالموقف على الجبهة مع سورية رهيب، وليس هناك ما يوقفهم، وطلب منه تركيز جهود السلاح الجوى على الجبهة السورية".

وطوال الليل، استمرت المدرعات السورية في التقدم مخترقة هضبة الجولان ومتجهة نحو هدفها، نهر الأردن. وكان الإسرائيليون المحاصرون في النقط الدفاعية الحصينة يبلغون عن أعداد المدرعات السورية المتحركة واتجاهاتها.

سابعاً: أعمال قتال يوم 7 أكتوبر 1973 (اُنظر خريطة أقصى مدى للاختراق السوري)

في صباح يوم الأحد 7 أكتوبر 1973، كان اللواء 188 مدرع قد دمر، تقريباً، بكامله وأصبح ما يقرب من 90% من رجال هذا اللواء ما بين قتلى أو جرحى، بما فيهم قائد اللواء، ونائبه، ولم يبقى من اللواء من الضباط القدامى، سوى ضابط الاستخبارات.

وأصبح الموقف على طول خطوط وقف إطلاق النار، في مرتفعات الجولان، أكثر خطورة، بل يدعو إلى اليأس. ففي السادسة من صباح هذا اليوم، تمكنت الفرقة الأولى المدرعة السورية، من اكتساح معسكر الخشنية، في قلب مرتفعات الجولان، واكتسحت سفوحه واتجهت إلى الغرب لتصل إلى نهر الأردن الذي أصبح قريباً، كما اجتازت أيضا قرية اليهودية، وهى قرية عربية مهجورة، واستطاعت أن تصل إلى التل المشرف على الطريق الجديد الذي يتجه من شمال بحيرة طبرية إلى "الماجور"، داخل مرتفعات الجولان.

انطلقت الفرقة الأولى المدرعة (أكثر القوات السورية نجاحاً، وتوغلاً في الدفاعات الإسرائيلية) من تقاطع الرفيد على خط وقف إطلاق النار إلى قلب هضبة الجولان عند الخشنيه، ثم تفرقت إلى ثلاثة اتجاهات: الأول إلى الغرب، حيث وصل سريعا إلى التلال التي تطل على منخفض طبرية عند الصنوبر، ثم انطلق منها بسرعة نحو مضيق (مافورهاما) للاستيلاء على المحور الجنوبي المؤدى من هضبة الجولان إلى سهل الأردن بالقرب من جسر بنات يعقوب.

أمّا الاتجاهان الآخران فقد تقدما دون أن يصطدما بأية قوة تعوق تقدمهما في اتجاه طبرية، وتمكنت الدبابات السورية من الوصول إلى نحو 1000 ياردة من محطة الضخ الرئيسية في القناة المائية، وهى القناة التي تعتبر الشريان الحيوي الذي يوصل المياه إلى إسرائيل[3].

1. الموقف مساء يوم الأحد 7 أكتوبر 1973

أ. الموقف السوري

على المحور الشمالي، تمكنت الوحدات المدرعة الإسرائيلية، من تعطيل تقدم لواء مدرع سوري، من الفرقة الثالثة المدرعة على طريق دمشق ـ القنيطرة.

في القطاع الأوسط والجنوبي تمكنت المدرعات السورية المندفعة من تقاطع الرفيد من تطوير هجومها في الساعة الرابعة بعد الظهر، في اتجاه نفاخ الواقعة غرب الهضبة. واندفعت في اتجاه جسر "بنات يعقوب" بهدف فصل الجولان في جزأين، على امتداد عرض الهضبة، كما اندفع جزء من الدبابات السورية نحو وادي الحولة، حيث استطاعت السيطرة على هذا الوادي الممتد أمامها، والسيطرة كذلك على الطريق المؤدى إلى قلب الهضبة.

في الساعة الحادية عشرة مساءً وبعد سبع ساعات من القتال تمكن السوريون من محاصرة نفاخ[4] بالدبابات، على مسافة 20 كم من خط وقف إطلاق النار. وكان يمكن لهذا الموقف أن يحقق نصراً حاسماً للسوريين، فالطريق مفتوح أمامهم إلى (جسر بنات يعقوب)، ثم إلى (اروش بينا) و(كريات شمونه)، ثم إلى الجليل الأعلى.

ب. الموقف الإسرائيلي:

أخذت ظلال النكبة تخيم في اليوم السابع من أكتوبر 1973، على دولة إسرائيل، حتى أن بنحاس سابير وزير المالية، علق فيما بعد، قائلاً: "لم تكن هناك سوى خطوة واحدة، ثم تُباد إسرائيل تماماً".

خلال هذه الساعات الحاسمة، كانت الهزيمة العسكرية تتهدد إسرائيل، وهي بالنسبة لإسرائيل لا تعنى احتلالاً، أو ضياع استقلال، ولكنها تعنى ببساطة محواً كاملاً من فوق الخريطة الجغرافية. لذلك فإن إسرائيل لا يمكنها أن تسمح بهزيمة عسكرية. وفى مساء الأحد كانت فرقة مدرعة إسرائيلية قد تمت تعبئتها ودفعت إلى القطاع الجنوبي من الجولان، حيث اندفعت بسرعة، واستطاعت أن توقف تقدم القوات السورية، التي كانت تقاتل منذ ما يقرب من 32 ساعة دون توقف. وتمكنت القوات الإسرائيلية من إيقاف السوريين عند (نفاخ)، ودفعت المدرعات الإسرائيلية كذلك لإيقاف التقدم السوري، من اتجاه (مات مجشيميم).

على المحور الشمالي، قاتل اللواء السابع المدرع، بقيادة العقيد "افيجدور بن جال" وحدات الفرقة السابعة المشاة السورية، المدعمة بلواء مدرع من الفرقة الثالثة المدرعة، واستمرت المعركة طول يوم 7 أكتوبر 1973، والأيام التالية، حيث تمكنت المدرعات السورية من اختراق هذا الخط. لقد قاتل اللواء السابع قتالا مستميتاً حتى لم يبق منه سوى سبعه دبابات فقط، وخسرت القوات السورية معظم دباباتها على هذا المحور، حتى سميت المنطقة التي دار فيها هذا القتال باسم "وادي الدموع"، إلا أن حدة الهجوم السوري قد كسرت وأمكن إيقافه.

على المحور الأوسط والجنوبي، كلفت مجموعة العمليات المدرعة، بقيادة العميد موشي بيليد[5] والتي تم تعبئتها اعتباراً من يوم 6 أكتوبر 1973 ـ وكانت مخصصة للعمل احتياطي قيادة عامة ـ بالتحرك مساء الأحد على طريق آل عال. حيث تمكنت من إيقاف الفرقة التاسعة المشاة السورية على طريق آل عال ـ الرفيد.

كما تقدمت مجموعة عمليات "دان لاند" على طريق الخشنية وفى نفس الوقت قام اللواء 20 مدرع الإسرائيلي بالهجوم على يمين مجموعة بيليد القائمة بالهجوم المضاد، حيث تمكن من الوصول إلى تل فارس بعد أن دمر نحو 35 دبابة من اللواء 46 المدرع السوري. كانت المقاومة السورية عنيفة، واستطاعت القوات السورية أن تواصل تقدمها عبر المدق السلطاني. ولكن انتهى هذا اليوم، بصد جميع محاولات التقدم السورية على جميع المحاور.

انتهى اليوم السابع من أكتوبر 1973، وبعد انقضاء أكثر من ثلاثة ساعات من القتال، إذ بإسرائيل التي كانت تعتبر حتى ذلك الوقت قوة عسكرية، يضرب ببسالتها الأمثال، تكافح من أجل البقاء، بعد أن أصبحت مهددة بالدمار الكامل.

2. دور القوات الجوية الإسرائيلية في القتال يومي 6، 7 أكتوبر 1973

نجح الطيران الإسرائيلي في تدمير عدد كبير من المدرعات السورية، ولكنه لم يتمكن من إيقاف اندفاع ألف ومائتي دبابة. كما كان الطيران السوري نشط كذلك بصورة ظاهرة. تركزت جهود الطيران الإسرائيلي على الخطوط الخلفية للقوات السورية، ولتحييد الطيران السوري كذلك، لذلك قصفت النقاط الإستراتيجية والمطارات والمنشآت العسكرية، كما قصف مركز قيادة السلاح الجوى السوري، ومبنى وزارة الدفاع كذلك، والمطارات ومعامل تكرير النفط والجسور وصهاريج الوقود، وتم تدمير منشآت تكرير النفط في حمص التي اندلعت فيها النيران، كما تم تدمير معظم محطات توليد الطاقة الكهربائية، وأصيب مبنى محطة الإذاعة إصابة بالغة. وركزت هجمات الطائرات الفانتوم ضد تجمعات المدرعات السورية في ناحية الخشنيه".

ثامناً: أعمال قتال يوم الاثنين 8 أكتوبر 1973

فشلت محاولة لواء جولاني، في إعادة احتلال موقع حرمون الجبلي. إذ اتجهوا إلى الموقع من طريقين، الطريق الرئيسي بالدبابات والنصف مجنزرات، والطريق الآخر الجبلي بالمشاة، وكان الكوماندوز السوريون، ينتشرون حول التلال المحيطة بالموقع، وعلى الطريق إليه، وهي خطة تكتيكية صحيحة، فالدفاع عن الموقع يجب أن يكون على خط قريب والآخر بعيد، وقد اربك الدفاع السوري، الهجوم الإسرائيلي، ولم تنجح وحدات جولانى، في الوصول إلى الموقع.

1. الهجوم السوري يوم 8 أكتوبر 1973 على محاور الجولان

لم يستمر الهجوم السوري على معدل التقدم النشط الذي كان عليه يومَي 6 و7 أكتوبر 1973، في الوقت الذي بدأت فيه قوات احتياط أخرى للجيش الإسرائيلي تتدفق إلى الجبهة، كانت الطرق والمحاور مزدحمة بالدبابات السورية، والتي تتفوق على المركبات نصف جنزير الإسرائيلية وتستطيع إصابتها بسهولة.

بدفع السوريون الفرقة الثالثة المدرعة ومعها بعض كتائب الكوماندوز، في هجوم مضاد قوي بالقرب من القنيطرة، أصبحت معظم وحدات الجيش السوري، على اتصال مباشر مع الجيش الإسرائيلي، واستمر الهجوم السوري سبع ساعات قتالية منذ الصباح، في قتال ضد المدرعات الإسرائيلية. كانت الخسائر على الجانبين فادحة، وقد نفذت ذخائر معظم الدبابات الإسرائيلية، التي لم تدمر، ولم تستطع أطقم إخلاء الجرحى والقتلى الاقتراب من الدبابات المدمرة بحثاً عن قتلى بداخلها، من شدة القتال.

2. القوات الإسرائيلية تتمكن من صد الهجوم السوري

بنهاية يوم 8 أكتوبر 1973، تمكنت القوات الإسرائيلية من استعادة تل فارس وهو تل مرتفع ويقع بين الخشنية والرفيد، لذلك كان أحد أهداف الهجوم السوري لتطويق الجولان. كما تمكنت القوات الإسرائيلية، من صد هجمات القوات السورية، وتدميرها، في القطاع الجنوبي من الجبهة. أمّا المواقع الإسرائيلية الحصينة فإن نصفها استمر في المقاومة، بالرغم من حصارها بواسطة القوات السورية.

تاسعاً: أعمال قتال يوم 9 أكتوبر 1973

كانت أحد القرارات الهامة التي اتخذتها القيادة الإسرائيلية لإدارة الحرب في ذلك اليوم، هو القرار بنقل المجهود الرئيسي للقوات الإسرائيلية إلى الجبهة السورية، وهو قراراً صعب. اعتاد الجيش الإسرائيلي في حروبه السابقة أن ينقل بنجاح جهوده من جبهة إلى جبهة، يهاجم في جبهة ويصد في جبهات أخرى. في الماضي، كانت الأسبقية تعطى في الغالب للجبهة المصرية، وبعدها توجه الضربات إلى الجبهات الأخرى، مثلما حدث عام 1967. وتنتهي المناقشات في هيئة الأركان العامة إلى قرار من اليعازر، بإرسال الاحتياطيات الإستراتيجية على وجه السرعة إلى الجبهة السورية. لتصل إلى هضبة الجولان في أشد اللحظات حرجاً، في الوقت الذي وصل الهجوم السوري لأقصى ما يمكنه، واحتاج إلى قوات جديدة، للمحافظة على معدل تقدمه، ولم يكن متيسر أي قوات لتدفع في القتال.

في الساعات الأولى لصباح يوم 9 أكتوبر 1973، تمكنت القوات الإسرائيلية من تطهير جيب الخشنية. وأصبحت خسائر السوريين مئات الدبابات والمركبات المدرعة. وردت القوات السورية بإطلاق عشرات من الصواريخ أرض/ أرض من نوع فروج 7 "Frog - 7". ولم تكن هذه الصواريخ تستهدف المواقع الإسرائيلية فقط، بل كانت موجهة كذلك ضد بعض المناطق المدنية، على مسافة 70 كم من الجبهة، وسقط بعضها فوق قرى وادي جيزيل، كما سقط البعض الآخر على مستعمرات بتسمار ها آميك، ونهاريا، وكفار باروخ، وساريد، وايفاف وجعفات يواف وكان رد فعل القيادة الإسرائيلية قصف دمشق.

وفى قطاع الخشنيه، دارت أهم ساعات قتال هذا اليوم في هضبة الجولان، حيث كان الموقع الوحيد الذي تحتشد فيه قوة كبيرة من المدرعات، كان قد تمكن بيليد من صدها، وحاولت الألوية المدرعة لمجموعة عمليات بيليد ـ ومعظمها من الاحتياط ـ أن تحاصر الفرقة المدرعة السورية، ولكنها لم تنجح في ذلك، واستطاعت القوات المدرعة السورية، أن تفلت من الحصار ونشب قتال تصادمي عنيف بين اللواء 79 مدرع بقيادة بورى اور من مجموعة دان لانر واللواء 91 المدرع السوري بقيادة فياض، واستطاعت الدبابات الإسرائيلية من تدمير معظم اللواء السوري.

كانت الخطة الإسرائيلية تقضي بهجوم مجموعة عمليات دان لانر من الغرب والشمال، بينما تهاجم مجموعة عمليات بيليد من الجنوب، وبذلك يمكن تطويق المدرعات السورية وتدميرها، على أن يساند الهجوم بهجمات للقوات الجوية الإسرائيلية والتي استطاعت القضاء على عدد كبير من مواقع الصواريخ أرض/ جو، لتصبح القوات المدرعة السورية تحت تأثير هجمات القوات الجوية الإسرائيلية.

لتنفيذ الهجوم المضاد، قام بيليد بدفع اللواء 14 مدرع، لمواصلة تقدمه شرقاً، لتحقيق أقصى اختراق ممكن في صفوف القوات السورية، بينما تمكن بيليد من الاستيلاء على المرتفعات الحاكمة، بجوار تل فارس، وعلى الجانب الأيمن للواء 14، دفع اللواء 16 المدرع للهجوم مدعماً بالمعاونة الجوية القريبة، حيث اصطدم باللواء الرابع الآلي من الفرقة الأولى المدرعة السورية، وتمكن الهجوم الإسرائيلي من الضغط على الفرقة الأولى السورية، التي بدأت في التراجع تحت ستر الظلام. حاول اللواء 15 مشاة آلي من الفرقة الثالثة المدرعة السوري التدخل في المعركة، لتخفيف الضغط عن الفرقة الأولى المدرعة السورية، ولكنه فشل في تحقيق هدفه.

سارع الإسرائيليون لاستغلال نجاحهم في صد وإيقاف تقدم الدبابات السورية، فبدأوا يعدوا للقيام بضربة مضادة تمكنهم من اختراق صفوف القوات السورية، التي بدأت ترتد في بعض المواضع.

القطاع الشمالي من الجبهة السورية

كان هدف القيادة الإسرائيلية إحداث ثغرة في اتجاه المحور الشمالي. للتمهيد للضربة المضادة ركز الطيران الإسرائيلي هجومه على مواقع الصواريخ المضادّة للطائرات، بحشد كثيف من الطلعات الجوية ونجح الهجوم الجوى المتواصل في تدمير15 موقع للصواريخ السورية، مقابل سقوط أربع طائرات إسرائيلية.

عاشراً: أعمال قتال يوم 10 أكتوبر 1973

1. السلاح البحري الإسرائيلي

كانت قوة السلاح البحري الإسرائيلي الرئيسية 14 سفينة صواريخ حديثة، من بينها اثنتان كبيرتان، تم بناؤهما في إسرائيل، وجميعها مزودة بصواريخ سطح/ سطح من طراز جبرائيل. وكان السلاح البحري الإسرائيلي يعتمد على المساندة الجوية القريبة، مثله مثل القوات الإسرائيلية في كل فروعها. في صباح يوم 10 أكتوبر 1973، قصفت البحرية الإسرائيلية أهدافاً إستراتيجية في سورية، أمطرت مواني اللاذقية وطرطوس وبانياس بالصواريخ. وفي الوقت نفسه، كانت القوات الجوية الإسرائيلية، تكثف هجماتها، لشل المطارات والقواعد الجوية، وكان هدف القيادة العليا الإسرائيلية، تعطيل الجسر الجوي، الذي بدأ السوفيت يقيمونه، ليمدوا القوات السورية بالأسلحة عوضاً عما فقدته مستخدمين في ذلك طائراتهم الضخمة من نوع أنتينوف 22 Antinove-22.

2. تطور القتال على الجبهة السورية يوم 10 أكتوبر 1973 (اُنظر خريطة تطور القتال على الجبهة السورية)

مع أول ضوء يوم 10 أكتوبر 1973 بدأت مجموعة العمليات المدرعة الإسرائيلية بقيادة بيليد في استئناف هجومها المضاد، بهدف الاستيلاء على "تل كدن"، الذي يتمركز عليه مركز القيادة المتقدم للقيادة السورية. ولكن (بيليد) يتكبد خسائر كبيرة في هجومه، إذ يواجه بسد قوي من الصواريخ المضادة للدبابات، أقامها السوريون حول التل ويصدر جوفى، قائد المنطقة الشمالية الإسرائيلية، أوامره بالتوقف مؤقتاً، في المواقع التي وصلت إليها دبابات بليد.

إلى الشمال من مجموعة بليد، كانت مجموعة عمليات لانر تواصل هجومها المضاد ضد الخشنية، دافعة اللواء 79 مدرع بقيادة العقيد أور من الجنوب، واللواء 17 مدرع بقيادة العقيد سريج من الشمال. وأصبحت المنطقة بين تقاطع طرق الخشنية وتل فارس مزدحمة بالدبابات الإسرائيلية المهاجمة. واستطاعت قوات لانر تقليص جيب الخشنية، أمّا بيليد، فقد صدرت إليه التعليمات بالتحرك في اتجاه تل فارس.

في منتصف اليوم، أي بعد أربعة أيام قتال، اندفعت القوات السورية عبر الدرب السلطاني، في هجوم كثيف ضد القوات الإسرائيلية. كان الهدف منه الاختراق، وفصل القوات الإسرائيلية عن بعضها، إلا أن قوات الهجوم وقعت في منطقة، بين فرقة بيليد، وفرقة لانر، وتمكنت القوات الإسرائيلية من تدمير لواءين مدرعين سوريين، ويصبح "جيب الخشنية" أكبر ساحة للدبابات والمركبات السورية المدمرة.

استطاع اللواء 17 المدرع الإسرائيلي، بقيادة العقيد سريج، من مجموعة عمليات لانر، والذي تصل قوته إلى نحو 50 دبابة. تدمير أضعاف قوته من الدبابات السورية، بينما انسحب السوريون أمام الهجمات الإسرائيلية العنيفة، بعد قتال شرس، فقدت فيه القوات المدرعة السورية مئات الدبابات الحديثة، من نوع ت 62 T62 السوفيتية، ومئات أخرى من المركبات المدرعة، وبدأت القوات السورية في التراجع شرق الخط الأرجواني مرة أخرى، تلاحقها القوات الإسرائيلية. وانقلبت الأوضاع على جبهة الجولان بعد أربعة أيام من القتال المضني بين الطرفين.

3. دعم سورية بقوات عربية

حصلت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على معلومات تفيد، بأن الدول العربية قررت دعم الجبهة السورية، بقوات مدرعة وآلية. وأن القوات العراقية بدأت تتحرك بالفعل، من الحدود العراقية السورية في اتجاه الجولان مباشرة، كما وصلت معلومات بأن التعزيزات ستصل من السعودية والكويت والأردن. وكان الوقت هو العامل الحيوي للطرفين فإما تتمكن هذه القوات من تقديم معاونة للقوات السورية، أو تتمكن القوات الإسرائيلية من إنهاء القتال على الجبهة وحسمه لمصلحتها، بالوصول إلى خط حيوي، يجبر السوريون على التوقف عن إطلاق النار، وكان هذا الخط هو ذلك الكنتور، شرق هضبة الجولان، والذي يُمكن القوات الإسرائيلية من السيطرة على الأرض حتى دمشق.

4. هيئة الأركان العامة الإسرائيلية تعيد تقدير الموقف

في مساء يوم الأربعاء 10 أكتوبر 1973، عقد رئيس الأركان العامة مؤتمر للقادة في مبنى القيادة، لدراسة الموقف على الجبهة السورية، وكان هناك رأيان:

·   الرأي الأول: يرجح تعزيز الأوضاع الإسرائيلية على طول الدرب السلطاني واتخاذ أوضاع دفاعية.

·   الرأي الثاني: يطالب باستمرار الهجوم داخل سورية، واستغلال الفرصة، لمزيد من المكاسب.

أوضح اليعازر مزايا وعيوب كل مقترح، وكان ديان لا يميل لتنفيذ المقترح الثاني، حتى لا يكون مبرراً لتدخل سوفيتي لحماية دمشق، ورأى اليعازر تنفيذ المقترح الثاني على أن يتم الاختراق لنحو 12 ميلاً في عمق الحدود السورية وهو الخط الذي يمكن للقوات الإسرائيلية الدفاع عنه، ويمكن منه أيضا تهديد دمشق بالمدفعية طويلة المدى، كما كان اليعازر يعتقد أن هذا الخط سيؤدى إلى حياد سورية، (التوقف عن القتال) ويمكن لإسرائيل تركيز جهودها الرئيسية على الجبهة المصرية.

وفي اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر برئاسة جولدا مائير، وافقو على اقتراح دافيد اليعازر، باستمرار الضغط على سورية. صدرت الأوامر إلى القيادة الشمالية، بمواصلة الهجوم المضاد اعتباراً من يوم الخميس 11 أكتوبر 1973، والضغط على السوريين في اتجاه دمشق.

5. قرار قائد الجبهة الشمالية

تنفيذاً لأوامر القيادة العامة قرر حوفي (قائد الجبهة الشمالية)، الهجوم في القطاع الشمالي للجولان، وقد اختار هذه المنطقة لأنها أقصر المحاور إلى دمشق حيث تبعد 30 ميلا عنها، وتجعل القوات المهاجمة تستند على عائق يؤمن جانب القوات المهاجمة كما كانت ميول جبل الحرمون الغير صالحة لتحرك الدبابات. وكانت الخطة تقضي بتقدم قوات لانر، دافعة أمامها اللواء السابع المدرع بقيادة روفائيل ايتان، ثم يتقدم خلفه باقي الألوية المدرعة، وهى اللواء 79 مدرع بقيادة اور، واللواء 17 مدرع بقيادة سريج، ويقومان بتطوير الهجوم، ومهاجمة التحصينات الرئيسية على طريق دمشق، وفى حالة النجاح يقدم اللواء السابع المعاونة لهما، وسترهما بالنيران من المرتفعات في الشمال، وحددت الساعة الحادية عشر صباحاً، يوم الخميس 11 أكتوبر 1973 لبدء الهجوم. كما تقرر دفع باقي مجموعة لانر لتطوير الهجوم اعتباراً من الساعة الواحدة ظهراً.

6. الاختراق على الجبهة السورية يومي 11، 12 أكتوبر 1973 (اُنظر خريطة الاختراق على الجبهة السورية)

هاجم ايتان بلواءه، في المنطقة الجبلية من القطاع الشمالي، وهي منطقة تضعف الدفاعات السورية فيها. وتتقدم قوة ايتان، في ستر جبل حرمون (جبل الشيخ)، لتؤمن جناحها الأيسر، متخذه أقصر الطريق إلى دمشق.

اندفعت القوات بعد ذلك في اتجاه الدفاعات السورية عند قرية خان أرنبة، وكان عليها أن تطور الهجوم لتستولي على تل شمس ومزرعة بيت جن، حيث تلتف القوات المهاجمة بجزء من الدبابات لتطويق هذه المواقع، بينما يهاجم الجزء الآخر بالمواجهة محاولاً تدمير المواقع بالنيران، فقد كان خان أرنبة من المواقع القوية، التي جهزها السوريون بدفاع مضاد للدبابات يستند على صواريخ المضادّة للدبابات بكثافة. كانت مهمة المظليين من كتيبه (حازي) تطهير جانبي الثغرة. كانت القيادة العامة، والقيادة الشمالية كذلك، تعلمان مدى صعوبة القتال عند (خان أرنبه) إذ يتوقع أن يكون صعباً للغاية، كما توقعت أن تتحمل القوات المهاجمة خسائر كبيرة.

اختيرت نقطة الاختراق، باعتبارها أقل الدفاعات السورية قوة في الشمال، ولكن كان من الضروري المرور خلال حقول الألغام السورية، في منطقة صخرية صلبة، كثيرة المرتفعات، كثيرة الأشجار.

وعلى المحور الجنوبي من الجبهة يتقدم اللواء 188[6] كمقدمة لمجموعة بيليد المدرعة، بمهمة الاستيلاء على قطنا والمعسكرات السورية عند حالس، على أن الهجوم بالقوة الرئيسية للمجموعة.

حادي عشر: الهجوم يوم 11 أكتوبر 1973

في الساعة الحادية عشر صباح يوم 11 أكتوبر 1973، بدأ اللواء السابع المدرع هجومه في الأرض الجبلية، كما عبرت وحدات اللواء 188 الدرب السلطاني. كان في مواجهة اللواء السابع المدرع الإسرائيلي، لواء مشاة مغربي، مدعم بحوالي 40 دبابة ينتشر على طرق الاقتراب إلى مزرعة بيت جن. وفى الجنوب منه، كانت مواقع اللواء 68 مشاة السوري، ومعه 35 دبابة، وقد تورطت الوحدات الأمامية المهاجمة في حقول الألغام واندفعت عناصر المهندسين المرافقة لها، وكذلك الدبابات المجهزة بمعدات خاصة في تلك الحقول لفتح الثغرات، وبدأ الاختراق بمعاونه المدفعية والقوات الجوية، وتمكن اللواء السابع المدرع الإسرائيلي من الاختراق في المنطقة الشجرية في أقصى الشمال، وبعد قتال مرير، تمكن تدريجياً من اختراق الأرض المرتفعة، ثم استولى على تقاطع حوار، وأجبر اللواء 68 مشاة السوري، من الفرقة السابعة المشاة من الانسحاب[7].

طورت قوات لانر الهجوم في اتجاه مزرعة بيت جن وحاولت القوات المدرعة السورية، القيام بالهجوم المضاد، ولكنها لم تحقق أي نجاح، واستمر القتال حول المزرعة، ست ساعات متواصلة، ولم ينتهي إلا في آخر ضوء يوم 11 أكتوبر 1973، بسقوط مزرعة بيت جن، والتلال المحيطة بها في أيدي القوات الإسرائيلية، كلف اللواء المشاة الجولانى للدفاع عنها على الفور.

1. الهجوم على التل الأحمر وقرية الدروز:

في ظهر يوم الخميس 11 أكتوبر 1973، تمكن ايتان بعد هجوم ناجح، من الاستيلاء على التل الأحمر المشرف على خان أرنبة من الشمال، وبعد ظهر يوم الخميس استولى على قرية الدروز (حرفا). وفي صباح يوم الجمعة 12 أكتوبر 1973 استولت القوات الإسرائيلية (مجموعة عمليات ايتان) على تقاطع طرق جنوب التل الأحمر، وتمكنت وحدات اللواء 188، من مهاجمة الهيئات المسيطرة على طريق دمشق ـ تل شمس والاستيلاء عليها، بعد ثلاث هجمات متتالية لعنف المقاومة السورية وكثافة نيرانها، والتي استطاعت أن تحدث العديد من الخسائر في الدبابات الإسرائيلية التي أبطأت من حركتها لصعوبة فتح ثغرات للدبابات، وفشلت المحاولات لتطوير الهجوم عبر السهل الغير صالح للتحرك.

تمكنت إحدى كتائب اللواء 188، من المرور عبر ممر أكتشفه قائدها حيث تمكنت ثمانية دبابات من الوصول إلى الميول الخلفية لتل شمس، ودمرت عشرة دبابات سورية، اندفعت باقي كتيبة الدبابات الإسرائيلية، تحت ستر القصف المدفعي، لمهاجمة تل شمس، وفشل الهجوم رغم ذلك، لصعوبة الأراضي الجبلية في هذه المنطقة، علاوة على الاستخدام السيئ للمدرعات بقتالها في منطقة جبلية دون مشاة مرافقة لها.

2. استمرار الهجوم بمجموعة عمليات لانر

مساء يوم 11 أكتوبر 1973 اندفعت وحدات مجموعة لانر على طريق دمشق الرئيسي لاستكمال المهمة، حيث اندفع اللواء 17 مدرع بقيادة العقيد سريج واصطدم بستارة مضادة للدبابات، أخفاها السوريون جيداً، في أحراش المنطقة. وكلف ذلك الصدام، لواء سريج العديد من الخسائر لذلك قرر لانر دفع اللواء 79 مدرع لمعاونته. وكرر اللواءان الهجوم قبل آخر ضوء، ونجحت سرية دبابات الوصول إلى تقاطع طريق خان أرنبة. وعلى الفور اصدر لانر أوامره إلى قائد اللواء 79 مدرع لاستغلال نجاح اللواء 17 مدرع واحتلال خان ارنبه، وتبعه اللواء 19 مدرع والذي انضم إلى مجموعة لانر، ثم تحرك اللوائين 79 مدرع، 19 مدرع على محورين في اتجاه جبا، حيث تمكنا من الاستيلاء على تل شعار.

دفع السوريون دباباتهم للقيام بهجوم مضاد، وتمكنوا من قطع الطريق الرئيسي في خان ارنبه، وتهديد وحدات لانر باستغلال المشاة السورية المسلحة بالأسلحة المضادة للدبابات الخفيفة، ر ب ج 7 R.P.J.7 ، والتي تسللت في الظلام وكمنت بين الصخور في السهل البركاني، وحولت المنطقة إلى مصيدة قتل حقيقية للدبابات الإسرائيلية. للتخلص من هذا الموقف الصعب، دفع لانر كتيبة مظلات ظلت طوال الليل، تقصف القوات السورية وتحاول إخلاء الجرحى الإسرائيليين.

3. تدخل القوات العربية في الجبهة السورية (11 ـ 12 أكتوبر 1973)

في الحادي عشر من أكتوبر 1973، تدخلت القوات العراقية، في القتال، ودفعت الفرقة الثالثة المدرعة العراقية قواتها في هجوم مضاد قوي على أجناب القوات الإسرائيلية مع تقدم قوات سورية على محور دمشق كناكر، ورغم أن الهجمات المضادة لم تستطع وقف التقدم الإسرائيلي شرق الخط الأرجواني، إلا أنها تمكنت من تقليل معدل تقدمه مقابل خسائر فادحة للجانبين.

كانت المعارك محتدمة في القطاع الجنوبي بين العراقيين والإسرائيليين في تل عنتر، وكفر الشمس وناسج وتل المال وتل مسحره، حيث شارك اللواء 40 المدرع الأردني في معارك هذا التل، بينما اتجهت قوة إسرائيلية أخرى لتوقف هجوم مضاد آخر شنه السوريون عند تل شمس. وهاجم السوريون مرة أخرى جنوب أم باطنة، وهاجمت القوات المغربية المدعومة بقوات سورية، قوة إسرائيلية عند عرنة في أقصى الشمال.

شعرت القيادة الإسرائيلية بحالة التوتر التي انتابت القيادة السورية، بدفعها احتياطياتها، والقوات العربية المساندة لها، في هجمات مضادة متقاربة زمنياً، وعلى محاور واتجاهات مختلفة، بغية إيقاف تقدم القوات الإسرائيلية، التي اقتربت كثيراً من العاصمة السورية دمشق (40 كم جنوب غرب)، يتقدمها هجمات جوية متواصلة على الطرق المؤدية إلى دمشق، وقصف متلاحق للأهداف الحيوية في العاصمة السورية. وتمكنت قوات حوفي من صد الهجمات المضادة كلها واستمرت في التقدم كذلك، ولكن بمعدل بطئ للغاية، وتحول هدفها من الإسراع إلى مشارف دمشق، إلى اقتراب حذر، بغية السيطرة على المرتفعات الحاكمة واحدة تلو الأخرى.

ثاني عشر: الموقف الداخلي السوري

بعد أن تمكنت إسرائيل من صد الهجوم السوري، ثم التحول إلى هجوم مضاد عام ووصلت إلى خط جديد، شرق الخط الأرجواني أصبح الموقف الداخلي في سورية متوتراً. وكان الرئيس الأسد قلقاً جداً يحاول الحصول على قرار بوقف إطلاق النار بينما الأمريكيون يماطلون، ويعطلون اتخاذ مجلس الأمن لذلك القرار، حتى تتمكن إسرائيل، بمساعدة الأسلحة الأمريكية التي تتدفق عليها بالجسر الجوي الأمريكي المباشر إلى المطارات المتقدمة، من إحراز نصر إستراتيجي يمكنها من المساومة فيما بعد. وحاول الأسد الضغط على المصريين، ليطورا هجومهم لجذب جزء من المجهود الجوي والهجمات المدرعة الإسرائيلية في اتجاههم، مما يخفف الضغط عن سورية، ووعدت القيادة المصرية، ودفعت احتياطياتها للتطوير شرقاً يوم 14 أكتوبر 1973. وطلب السوريون من السوفيت مؤازرتهم سياسياً. وصدرت عن موسكو تهديدات من خلال وسائل الإعلام وبالوسائل الدبلوماسية، لإسرائيل ومن يساندها، وقدم السفير السوفيتي بالولايات المتحدة أناتولى دوبرنين "تهديداً" لوزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر ذاكراً أن القوات السوفيتية المنقولة جواً، على استعداد للتحرك للدفاع عن دمشق فوراً.

ثالث عشر: الموقف الإسرائيلي

اتخذت إسرائيل قرار بعدم مهاجمة دمشق، لتأثير ذلك عربياً وعالمياً، بالإضافة إلى النتائج المشكوك فيها، بغزو مدينة بحجم كبير من السكان، قد يكون مكلفاً للغاية. كذلك، هناك اعتبار للمصالح السوفيتية، في تأمين دمشق، لذلك اتفقت القيادة الإسرائيلية فيما بينها على الاكتفاء بالهجمات الجوية، لتدمير الأهداف العسكرية السورية، ومواقع الصواريخ أرض/ أرض، وأرض/ جو، وتحسين أوضاع القوات الإسرائيلية على الجبهة السورية، والتي أصبحت في وضع، يساعد الإسرائيليين في أي مفاوضات يدخلونها بعد الحرب.



[1] كان هذا الموقع يمثل أهمية كبيرة للقيادة الإسرائيلية حيث يؤمن لها ملاحظة ومراجعة، تغطى كل ميدان المعركة، وكذا طرق الاقتراب إلى دمشق، إضافة إلى احتوائه على موقع رادار مثالي والعديد من المعدات الإلكترونية، وكانت التحصينات فوق الجبل خرسانية، قوية وسميكة.

[2] قبل الوف حوفي، قائد المنطقة الشمالية، نصيحة الجنرال هود مستشاره، وأخلى مركز قيادته الأمامي بسرعة إلى موقع تبادلي مجهز من قبل. وقد أناب قائد القطاع الشمالي في إدارة القتال على هضبة الجولان حتى يتم الانتقال.

[3] كانت المستعمرات الإسرائيلية في وادى الحولة وحول طبرية وفى سهل الأردن، قد تم إخلائها يوم 5 أكتوبر 1973 أى في الليلة السابقة للهجوم.

[4] يضم هذا الموقع مركزا للقيادة، حيث كان القائد الإسرائيلي يعتقد أنه بعيد عن الخط الأول للقتال، ولكنه فوجئ بالمدرعات السورية تقترب منه بسرعة، فانتقلت لمكان آخر.

[5] موسى بيليد رجل ضخم الجثة، تدرج في مختلف الوظائف القيادية بجيش الدفاع الإسرائيلي، حتى وصل إلى قائد فرقة مدرعة، ثم وصل إلى قائد فيلق، وهو رجل حاسم، من إحدى القرى الزراعية في وادي جزريل.

[6] تم استكمال اللواء بعد الخسائر التي تحملها خلال معركة يومي 6، 7 وقد أعيد تنظيم وتسليح هذا اللواء بسرعة ودفع مرة ثانية إلى المعركة.

[7] حكم على قائد هذا اللواء وهو العقيد الدرزي رفيق حلاوي بالإعدام رمياً بالرصاص، بعد محاكمته عسكرياً، إذ اصدر الأوامر بانسحاب اللواء دون قتال.