إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات سياسية عسكرية / الصراع في جنوبي السودان






مناطق النفط جنوب السودان
أماكن معسكرات الفصائل
الموقع الجغرافي للسودان
التوزيع القبلي
التقسيم الإداري للسودان
التقسيم الإداري لجنوب السودان
تضاريس السودان
قناة جونجلي



المبحث الخامس

المبحث التاسع

الصراع المسلح

أولاً: طبيعة مسرح العمليات

يتسم مسرح عمليات جنوب السودان بسمات خاصة تختلف عن شماله، بل تختلف كذلك عن مسارح عمليات دول الجوار الجغرافي للسودان.

من ذلك أن إقليم جنوب السودان يقع داخل المنطقة المدارية، التي تسقط فيها الأمطار الكثيفة من فبراير حتى نوفمبر، وتبلغ ذروتها في شهر أغسطس. كما أن جزءاً من طبيعة أرضه سهول تجري بها أنهار "بحر الغزال والسوباط وبحر الجبل"، أما الأطراف الجنوبية فتكثر بها التلال والجبال، مثل جبل الايماتونج على حدود أوغندا.

وتؤدي الأمطار إلى تكوّن مستنقعات، مثل مستنقعات مشار في منطقة نهر البارو، ومستنقعات بحر الجبل، التي تبلغ مساحتها 12 ألف كم2، وتصل إلى 37 ألفاً في فترة الفيضان.

وتوجد الغابات في أقصى الجنوب، وهي في صورة أشجار تتخللها حشائش السفانا، وغابات الأبهاء على طول المجارى العليا، وروافد بحر الغزال. وتعتبر حشائش السفانا هي المظهر السائد في الإقليم.

وفي إقليم أعالي النيل تصعب حركة جميع أنواع الحملات، خلال الفترة من مارس حتى نوفمبر، بسبب طبيعة الأرض الطينية الناتجة عن السيول. وهذا يؤدي بدوره إلى انتشار الحشائش والغابات. أمّا إقليم بحر الغزال فيمكن الحركة فيه بقوات مترجلة نتيجة للغابات والحشائش الطويلة. كما أن المستنقعات الكبيرة تعوق عملية سير الحملات، مما يجعل العمليات في هذا المسرح، تضطر إلى التحرك على محاور محدودة، أو تلجأ إلى استخدام المشاة المترجلة وحرب العصابات. وهذا يؤدي لأن تواجه بقوات جيدة الإخفاء يصعب اكتشافها، مما يؤدي إلى وقوع القوات في كمائن محكمة الإعداد.

ارتباط المسرح بدول الجوار

يحيط بالمسرح إثيوبيا وإريتريا من جهة الشرق، وأفريقيا الوسطى من جهة الغرب، وكينيا والكونغو الديموقراطية وأوغندا من جهة الجنوب. وسوف نقف على هذه الدول لإظهار طبيعة المنطقة، وارتباطها بالمحاور.

أ. اتجاه الشرق إثيوبيا وإريتريا

تبدأ حدود السودان مع إثيوبيا عند التقاء نقطتي الحدود على ساحل البحر الأحمر، وتستمر على امتداد حوالي 2000 كم جنوباً، حتى تلتقي بالحدود الإثيوبية - الكينية - السودانية، شمال بحيرة ردولف في كينيا.

وطبيعة الأرض على الحدود الإثيوبية شديدة الانحدار لأنها امتداد للهضبة الاستوائية، وتخترقها سلسلة الجبال شرقاً، وكثير من الوديان والتلال ومجاري المياه.

وتوجد المحاور البرية الرئيسية الآتية، بين السودان وإثيوبيا وإريتريا:

(1) محور أسمره ـ كسلا

وهو ممتد من أسمره إلى كسلا. وفيه تدور معارك مشتركة بين عناصر جنوب السودان والمعارضة الشمالية من جانب، والقوات المسلحة السودانية من جانبٍ آخر. يبلغ طول المحور 335 كم، ويدخل مدينة كسلا من طرق الاقتراب: أسمره ـ أجوردات ـ سدرات ـ كسلا، أسمره ـ تسني ـ حواش ـ كسلا. وتوجد بهذا المحور مناطق تصلح للحشد في "أجوردات، بارنت"، ومناطق للتجمع في "تسني، سدرات".

وتكثر الجبال والهيئات الحاكمة حول هذا المحور حتى الحدود السودانية، ثم تصبح الأرض مفتوحة حتى كسلا. وهو محور مباشر ومُعَبّد، ويمكن السير عليه بجميع المركبات، وخالٍ من الموانع عدا، الخيران الصغيرة الموسمية، التي يمكن عبورها بمجهود هندسي بسيط.

(2) محور مكللى ـ حمرا ـ حمديت

وهو كالمحور السابق، يستخدم حالياً بواسطة قوات المعارضة الشمالية وقوات الجنوب، في مهاجمة السودان. يبلغ طول المحور حوالي 400 كم، ويدخل السودان من ثلاث طرق اقتراب: أم "حجر ـ القرقف ـ خشم القربة"، "حمرا- حمدايت ـ الشّوك ـ القضارف"، "أم حجر، ـ حمرا أم براكيت ـ القضارف".

وتكثر بهذا المحور الجبال والهيئات الحاكمة حول الطريق حتى الحدود السودانية، ثم أرض مفتوحة حتى القضارف. ويشكل نهرا سيتي وعطبرة مانعين طبيعيين على هذا المحور، ويمكن أن تتحرك عليه المركبات في فصل الجفاف فقط.

(3) محور أديس أبابا ـ قندرا ـ قلابات ـ القضارف

يبلغ طول هذا المحور 665 كم ويدخل السودان من طريقين: "قندار  ـ متمه ـ قلابات ـ كنينة ـ دوكة ـ القضارف"، "قندار ـ قندورة ـ تابا ـ باسُنْدة ـ دوكة  ـ القضارف".

وهو لا يصلح للاستخدام إلاّ في فصل الجفاف. وتكثر حول هذا المحور الجبال والهيئات الحاكمة حتى القضارف. ويؤدي هذا المحور إلى وسط السودان. وتكثر به الخيران، التي يصعب عبورها في موسم الأمطار. وتساعد على ذلك طبيعة التربة، التي تجعل التحرك في فصل الخريف شبه مستحيل، إلاّ بآليات مصممة لعبور المناطق الطينية أثناء الأمطار.

(4) محور أديس أبابا ـ دنقلا ـ أبو مندى ـ منذا ـ الروصيرص

يبلغ طول هذا المحور 544 كم ولا يصلح للتحركات في فصل الأمطار، حيث تكثر في تلك المنطقة الغابات والحشائش والجبال والخيران.

(5) محور دنقلا ـ إيتمبو ـ التمز ـ قيسان ـ الدمازين

يبلغ طوله 448 كم، ويخترق أراض وعرة كثيفة الغابات والحشائش والجبال، ويحتاج لمعاونة هندسية في حالة استخدامه في موسم الأمطار، وبه عدد كبير من الخيران.

(6) محور أديس أبابا ـ بمباش ـ أصوصا ـ الكرمك ـ الدمازين

يبلغ طوله 450 كم، ولا يصلح للمركبات في فصل الأمطار، ويخترق أراضٍ وعرة كثيفة الأشجار والحشائش، وتكثر فيه الخيران.

ب. اتجاه الجنوب: كينيا ـ أوغندا ـ جمهورية الكونغو الديموقراطية "زائير سابقاً"

(1) مع كينيا

تلاصق الحدود جزء من شرق الاستوائية حيث:

(أ) تمتد من التقاء الحدود الإثيوبية الكينية السودانية شمال بحيرة رودلف، لمسافة 232 كم في منطقة وعرة غير مأهولة، نظراً إلى صعوبة الحياة فيها.

(ب) يرتبط السودان بكينيا بمحورين محدودين هما:

·   كبوتيه ـ لوطمى ـ لدوار.

·   قلال ـ لدوار.

(2) مع أوغندا

يمتد على الحدود مع أوغندا، جزء كبير من محافظة شرق الاستوائية:

(أ) تمتد الحدود مع أوغندا من نقطة الالتقاء مع الحدود الكينية، حتى بدايتها مع جمهورية الكونغو الديموقراطية، لمسافة 435 كم. وتمر على الحافات الجنوبية والجنوبية الغربية لمنطقة "ناقشوط" الجبلية، وجبال كبنتى التي تمثل منطقة تقسيم المياه.

(ب) ترتبط أوغندا بالسودان بعدة محاور هي:

·   توريت ـ أكتوس ـ كتقم.

·   جوبا ـ نيمولى ـ قولو.

·   كاجوكاجى ـ مويو ـ أروا.

·   ياي ـ كايا ـ أروا.

(3) مع جمهورية الكونغو الديموقراطية

(أ) تمتد الحدود لمسافة 628 كم، وهي منطقة تقسيم المياه بين نهر الكونغو وبحر الغزال. وهي منطقة آهلة بالسكان.

(ب) ترتبط جمهورية الكونغو بالسودان بالمحاور الآتية:

·   ياي ـ أبا ـ فرادجى.

·   مريدى ـ بوتانيقا ـ دنقو.

·   يامبيو ـ نيا نقارا.

(4) مع جمهورية أفريقيا الوسطى

(أ) تمتد الحدود بامتداد خط تقسيم المياه لمسافة 1115 كم، وتلاصق جزءاً من غرب الاستوائية وبحر الغزال، وجزءاً من جنوب دارفور.

(ب) ترتبط جمهورية أفريقيا الوسطى بالسودان بمحورين، هما:

·   طبمرة ـ نقطة أبو.

·   واو ـ راجا ـ كافي كنجن ـ بيرا.

ثانياً: القدرة العسكرية لأطراف الصراع

1. القوات المسلحة السودانية

أ. حجم الإنفاق العسكري

بلغ حجم الموازنة العسكرية عام 1998، 300 مليون دولار.

وبلغ حجم الإنفاق العسكري عام 1995، 389 مليون دولار.

                                   وعام 1996، 405 مليون دولار

                                   وعام 1997، 418 مليون دولار.

ب. حجم القوات العسكرية وشبه العسكرية

(1) يصل عدد القوات المسلحة السودانية العاملة  700 94 فرداً.

(2) يصل إجمالي عدد المجندين حوالي 000 20 مجند.

(3) مدة التجنيد 3 سنوات للشباب من سن 18 ـ30 سنة.

(4) القوات البرية (انظر ملحق تسليح القوات البرية)

(أ) الحجم 90 ألف فرد منهم حوالي 20 ألف مجند.

(ب) التشكيل: تشكل القوات البرية في الوحدات الآتية:

·   منطقة عسكرية.

·   6 فرق مشاة.

·   فرقة مدرعة.

·   فرقة مهندسين.

·   فرقة محمولة جواً (منها كتيبة قوات خاصة).

·   فرقة حرس حدود.

·   10 ألوية مشاة آلية.

·   24 لواء مشاة.

·   3 أفواج مدفعية.

·       لواء استطلاع.

(5) القوات البحرية

(أ) العدد 1700 فرد.

(ب) القواعد البحرية:

·   ميناء بوسودان، وبه رئاسة القوات.

·   خليج فلامنجو.

·   تتمركز سرية العائمات النهرية بمرسى كوستى على نهر النيل، وتُستخدم في نقل الإمدادات العسكرية والإدارية للقوات العاملة في مسرح العمليات في الجنوب.

·   تجرى المناورة بإعادة تمركز من 1ـ2 لنش مرور خفيف من قاعدة فلامنجو إلى مرسى محمد قول.

·   المعدات (انظر ملحق تسليح القوات البحرية والجوية) .

(6) القوات الجوية

(أ) العدد 3000 فرد، "بما فيهم أفراد الدفاع الجوى".

(ب) المعدات (انظر ملحق تسليح القوات البحرية والجوية) .

(7) القوات شبه العسكرية

(أ) تتكون من:

·   15 ألف مقاتل عامل "قوات الدفاع الشعبي".

·   85 ألف مقاتل احتياط

(ب) وهى الجناح العسكري للجبهة القومية الإسلامية، مشكلين في كتائب، كل كتيبة بقوة 1000 فرد مسلحين بالأسلحة الخفيفة من بنادق آلية، ورشاشات وقنابل وقواذف صاروخية مضادة للدبابات .

(ج) شكلت هذه القوات بهدف مواجهة أي تحركات مضادة للنظام الحاكم، وتأمين النظام ومعاونة أعمال قتال القوات المسلحة في الجنوب.

ج. الكفاءة القتالية

(1) القوات البرية

(أ) تعاني من ضعف مستوى القادة والقيادات على كافة المستويات.

(ب) إمكانيات القوات في العمل الليلي محدودة، وهي تحتاج إلى أجهزة رؤية وإصابة أهداف ليلية متطورة.

(ج) تبلغ الصلاحية الفنية للأسلحة والمعدات حوالي 50 ـ60%.

(د) تصل نسبة الاستكمال للأسلحة والمعدات حوالي 60% للوحدات المدرعة، وحوالي60 ـ 65% للميكانيكي، 65% للمدفعية.

(2) القوات البحرية

(أ) لا تمتلك القوات البحرية لنشات صواريخ أو غواصات، ولذلك فهي لا تستطيع أن تُشكل مجموعات قتال بحرية فعّالة، للعمل في مسرح عمليات البحر الأحمر.

(ب) تستخدم الضفادع البشرية "حوالي 100 فرد"، في تأمين الجسور المقامة على نهر النيل.

(ج) تبلغ نسبة الصلاحية الفنية 45 ـ50% لمختلف القطع البحرية، نظراً إلى ضعف أعمال الصيانة وصعوبة الحصول على قطع الغيار اللازمة، نتيجة لنقص الموارد المالية.

(3) القوات الجوية

(أ) قلة عدد الطيارين وضعف الكفاءة القتالية لهم.

(ب) تبلغ نسبة الصلاحية للطائرات حوالي 45%.

(ج) تفتقد الطائرات لإمكانيات القتال الليلي.

(د) ضعف أطقم الصيانة والإصلاح.

(4) الدفاع الجوي

(أ) تصل نسبة الصلاحية الفنية إلى حوالي 50%، أما وسائل الإنذار فتصل إلى60%.

(ب) ضعف مستوى الكوادر الفنية، مع نقص قطع الغيار المطلوبة.

2. قوات المعارضة السودانية

تتكون عناصر المعارضة في السودان من التحالف الوطني الديموقراطي، الذي يتكون من العناصر الآتية:

أ. جيش التحرير الشعبي السوداني

وتبلغ قوته 20 – 30 ألف جندي، ويتألف من 4 مجموعات، كل مجموعة منظمة في مجموعة كتائب. يعمل في جنوب السودان، ويتسلح جيش التحرير بدبابات ت 54/55، بعضها تم الاستيلاء عليها من القوات المسلحة السودانية، وقواذف ب م ـ21، وقطع مدفعية، ولكن التسليح الرئيسي هو الأسلحة الصغيرة وهاونات 60 مم، 120 مم، ومدافع 5 ,14 م مضادة للطائرات، وصواريخ مضادة للطائرات من نوع سام ـ7. ويرأس جيش التحرير الشعبي العقيد "جون قرنق".

يتمركز جيش تحرير السودان في إثيوبيا في مناطق: سير جاك ـ بلغام ـ قمبى ـ بوفقا ـ تيدو.

ب. قوات التحالف السوداني

تقدر بحوالي 500 جندي، تتمركز في إريتريا وتعمل عبر حدودها.

ج. قوات مؤتمر البجا

تقدر بحوالي 500 جندي مسلح، تعمل في مناطق الحدود الإريترية.

د. لواء السودان الجديد

يُقدر بحوالي 2000 مقاتل، ويعمل في مناطق الحدود الإثيوبية والإريترية.

ثالثاً: العمليات العسكرية (انظر خريطة أماكن معسكرات الفصائل)

1. خلال فترة الرئيس جعفر محمد نميري

أنهى توقيع اتفاقية أديس أبابا في عام 1972، الحرب الأهلية التي استمرت 27 عاماً في السودان. ونجحت القيادة السودانية في احتواء المشاكل الرئيسية بين الجنوب والشمال، بمنح الإقليم الحكم الذاتي. وعلى الرغم من ذلك ظلت العلاقات بين الجنوب والشمال تشوبها حالات من التوتر.

عندما طرحت فكرة تقسيم جنوب السودان عام 1981 إلى ثلاثة أقاليم، تصاعدت حدة التوتر نظراً إلى رفض بعض الجنوبيين تلك الفكرة لأنها ستؤدي إلى تفتيت القوة القبلية وضعفها. وأدى ذلك إلى تصاعد نشاط جيش التحرير الشعبي السوداني " أنيانيا2". وفي مايو 1983، عندما أصدرت القيادة العسكرية السودانية تعليماتها لإجراء عملية الغيار الدورية، التي تنفذها القوات المسلحة السودانية في الجنوب، أدى ذلك إلى تمرد بعض الوحدات القائمة بالغيار.

وفي منتصف عام 1983، بدأ الموقف العسكري يتدهور في الجنوب، نتيجة لدعم إثيوبيا وليبيا والاتحاد السوفييتي للتمرد. فقد حصلت فصائله على أسلحة حديثة من: سام ـ 7، وعربات مدرعة، آر. بي. جي، المدفع المضاد للدبابات 106مم. واتبعت الفصائل أسلوب حرب العصابات ضد القوات المسلحة السودانية. مما أدى إلى توقف مشروعات التنمية في قناة جونجلي والتنقيب عن النفط.

2. تطور الصراع العسكري في الفترة الانتقالية

شهدت الفترة الانتقالية من أبريل 1985، تصعيد العمليات العسكرية من قبل المتمردين بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ مشكلة الجنوب من قبل. وبلغ الصراع مدى ومناطق لم يصلها من قبل. فشمل كل جنوب السودان وجنوب إقليم كردفان، والكرمك وجبال الأنقسنا. ولم تسلم العاصمة من المحاولة الانقلابية، وشهد السودان عمليات يومية كان حصادها قرب نهاية الفترة الانتقالية كبيراً للغاية، وملخصه سلسلة معارك رومبيك في مارس 1986 وما بعدها.

حاصر المتمردون مدينتي "بور وجميزة"، فتقدمت القوات السودانية في جوبا لاستردادهما. كما حاصروا "يرول"، فتقدمت أيضاً القوات من واو ورمبيك وفكت حصارها جزئياً. وأثناء تسليم فصائل التمرد رداً مكتوب على مقترحات رئيس الوزراء، استغلوا الظروف وحاصروا مطار ومدينة الناصر، التي كان مقرراً تسليم الرسالة فيها. وامتد نشاطهم من الناصر إلى ملكال، ومنها إلى ملوط بضرب البواخر والسفن النهرية لمنع إمداد مدينة الناصر وتعزيزها، فتقدمت القوات السودانية ومعها قوات أنيانيا 2، في عملية مشتركة ضد فصائل التمرد لفك حصار الناصر. كما هاجم المتمردون مدينة الكرمك ومنطقة الدمازين وجبال الأنقسنا، في منطقة جنوب النيل الأزرق واستدرجوا القوات السودانية وأحدثوا فيها خسائر.

سعى المتمردون إلى تعطيل إجراء الانتخابات، فركزوا عملياتهم في إقليم بحر الغزال، ذات الكثافة السكانية العالية، وغالبيتها من الدينكا. وبدأوا باحتلال يرول في ديسمبر 1985، ثم قصف أويل ورمبيك خلال شهر فبراير 1986، وحاصروا رومبيك بحوالي أربعة آلاف مقاتل في خمس كتائب حتى شارفت ذخيرة وتعيينات حامية المدينة والسكان على النفاد، فقرر قائد الحامية وضابط أمن المنطقة الانسحاب، ومعهم أهالي مدينة رومبيك، إلى مريدي في إقليم الاستوائية. فأعلن المتمردون دخولهم رومبيك في 7 مارس 1986، ثم أسقطت ثلاث طائرات انتينوف إثيوبية إمدادات لهم، فتقدموا إلى التونج وواو وجبال الجور وأويل لحصارهم، وانتشروا في كل إقليم بحر الغزال بقوة حوالي 40 ألف مقاتل وإداري. فاستغاثت حكومة السودان بالطيران الليبي، والدعم العسكري الليبي، لإنقاذ الموقف المنهار.

استهلت فصائل التمرد فصل الأمطار، بفتح جبهة جديدة في منطقة جنوب النيل الأزرق. واستمرت المعارك في منطقة الكرمك، إلى أن هزمتهم القوات السودانية.

وتعدّ منطقة أعالي النيل، أكثر مناطق العمليات كثافة بسبب طول حدودها مع إثيوبيا، وتسلل الثوار عبرها إلى السودان، والاشتباك في معارك كثيرة مع القوات المسلحة في فشلا، والجكو، واكوبو، والبيبور، والناصر، وملكال وبور. وبعد سيطرة القوات المسلحة نسبياً، تحولت فصائل المتمردين إلى مجموعات صغيرة تعمل بين ملكال والرنك.

كانت المنطقة الاستوائية هادئة عموماً، إلاّ في الجزء الشرقي منها حيث العمليات حول كبويتا. واعتمد الخوارج في إمدادهم على طريق كينيا ـ الاستوائية، ثم على طريق كينيا ـ أوغندا ـ الاستوائية، خاصة بعد لجوء كثير من الأوغنديين إلى السودان، عقب استيلاء يورى موسيفين على الحكم في أوغندا.

3. الفترة من 1986 ـ 1989

لم تتمكن القوات السودانية من إحراز نجاح يذكر، ضد قوات المتمردين في جنوب السودان، نظراً إلى تلقي المتمردين دعماً عسكرياً خارجياً. واستمرت قوات جون قرنق في محاولات السيطرة على الأقاليم الجنوبية الثلاثة، بهدف إحراز أداة للضغط على الحكومة السودانية، وفرض شروطه لحل المشكلة.

وقد نجح المتمردون في حصار مدينة "بور"، وحاولوا حصار مدينة "جوبا"، ولكنهم لم يتمكنوا من حسم الصراع حول جوبا لصالحهم.

نشرت فصائل التمرد قواتها في الأقاليم الثلاثة على شكل حاميات، ونجحت في قطع طرق المواصلات البرية والنهرية والجوية، بين الشمال والجنوب. بينما كانت الحكومة تحاول التنسيق مع حركة "أنيانيا 2"، لتعمل معها في الجنوب ضد المتمردين.

4. الفترة من 30 يونيه 1989 (ثورة الإنقاذ الوطني) حتى 31 ديسمبر 1998

أ. الصراع المسلح من 15 يناير 1992 ـ 31 ديسمبر 1993

بدأت القوات المسلحة السودانية في تنفيذ أكبر حملة عسكرية في الجنوب، في الفترة من 15 إلى 21 يناير 1992. فهاجمت قوات المتمردين في المنطقة شرق جوبا بمسافة 15 كم، بهدف استعادة مدينة "توريت"، وهي مدينة ذات أهمية إستراتيجية لسيطرتها على محاور الإمداد القادمة من كينيا. ولكن الهجوم فشل نتيجة لشدة مقاومة المتمردين، وكثافة حقول الألغام المنشأة حول المدينة.

وبسبب فشل الهجوم، أعادت الحكومة السودانية تعديل أوضاع بعض وحداتها. فأُعيد تمركز لواء مشاة من المنطقة الوسطى إلى منطقة الأبيض، في الأسبوع الثالث من شهر فبراير؛ ولواء مشاة من المنطقة الشرقية إلى منطقة كوستي، في الأسبوع الثاني من شهر فبراير.

ثمّ شنّت القوات الحكومية الهجوم الثاني في منتصف فبراير، في إقليمي أعالي النيل وبحر الغزال، على المحاور التالية:

(1) في أعالي النيل: محور ملكال ـ أكوبو، ومحور ملكال ـ بور.

(2) في بحر الغزال: محور واو ـ رومبيك، ومحور واو ـ طمبرة؛ ولم تحقق هذه القوات مهامها كاملة طبقاً للمخطط لها.

نسقت الحكومة السودانية مع جبهة تحرير الأورومو، المتمركزة في غرب إثيوبيا. فاستولت الجبهة على منطقة شالا الحدودية الخاضعة لسيطرة متمردِ الجنوب، ونقلت قوات سودانية جواً وسيطرت على المنطقة.

بدأ هجوم ثالث للقوات السودانية، في 24 فبراير 1992، في إقليم أعالي النيل، حجمه لوائي مشاة مدعم من ملكال، على محورين:

(1) المحور الأول: ملكال ـ بور.

(2)  المحور الثاني: ملكال ـ الناصر.

وتم الاستيلاء على مدينة بور، في 4 أبريل، والسيطرة على منطقة الناصر، في 6 أبريل، ثم الاستيلاء على منطقة جميزة ومنقلة، في 11 أبريل.

ثم دُفع لواء مشاة في إقليم بحر الغزال في اتجاه التونج ورومبيك ويارول، ونجح في الاستيلاء على هذه المناطق، في 11 أبريل 1992.

وفي 15 أبريل، دُفعت كتيبة مشاة على المحور الثاني: ملكال ـ الناصر، وتمكنت من الاستيلاء على منطقة بيبور، في 23 أبريل. كما دُفع لواء مشاة على محور واو ـ مريدى، في 20 أبريل، ولكنه فشل في تنفيذ مهمته.

وضعت خطة للهجوم في الإقليم الاستوائي، بهدف فك حصار مدينة جوبا. وكانت الخطة على أساس تخصيص فرقة مشاة للهجوم كالأتي:

(1) لواء مشاة على محور جوبا ـ توريت، بهدف الاستيلاء على كل من توريت وكابويتا، تم دعم الهجوم بتمهيد جوى ضد كابويتا، في 26 أبريل.

(2) تتحرك باقي الفرقة على محوري جوبا ـ ياى، وجوبا ـ كاجوكاجي، بهدف السيطرة على منطقة شرق الاستوائية. ولكن فشلت تلك المحاولات نتيجة لكثافة الألغام التي وضعت حول المدينة، واستخدام قوات التمرد لحشد شديد من نيران المدفعية.

ب. موقف قوات المتمردين

ركزت قوات جون قرنق على الآتي:

(1) حصار القوات السودانية المدافعة في "جوبا"، عاصمة إقليم الاستوائية، ومنعها من الخروج خارج المدينة.

(2) التمسك بمناطق كبويتا وتوريت، نظراً إلى سيطرتهما على طرق الإمداد من كينيا.

(3) سحب بعض قوات التمرد المتمركزة في أعالي النيل وبحر الغزال، لتقليل نسبة الخسائر فيها.

ج. الصراع المسلح من عام 1994 حتى نهاية عام 1998

شهد أواخر شهر فبراير 1994 نشاطاً مكثفاً من القوات المسلحة السودانية، لقمع حركة التمرد. فانتهزت حركة الانشقاق داخل الجيش الشعبي لتحرير السودان، بين "جون قرنق" وعددٌ من المنشقين عليه. وقد تجددت مع بداية شهر مارس الاشتباكات بين الفئتين المتصارعين في قوات الجيش الشعبي، ودارت عدة اشتباكات في مدينتي الناصر وتوريت.

حشدت القوات المسلحة السودانية قواتها في أقاليم الجنوب الثلاثة: بحر الغزال، والإقليم الاستوائي، ومنطقة أعالي النيل، استعداداً لشن هجوم بطرد قوات جون قرنق من جنوب إقليم كردفان إلى منطقة الغابات في بحر الغزال، وكذلك طردها من المدن المهمة والإستراتيجية في الإقليم الاستوائي، مثل توريت وكابوتيا.

تمكنت القوات السودانية في أواخر شهر مارس، من تدمير عدة معسكرات للمتمردين  في منطقة كاتشا جنوب ولاية كردفان، مما يُعد بداية للقضاء على باقي الحركة في الجنوب. وبعد عدة اشتباكات تمكنت القوات السودانية، في 5 مايو 1994، من استرداد مدينة بور (وهي تبعد حوالي 650 كم جنوب الخرطوم)، من المتمردين. وتعدّ هذه المدينة المعقل الرئيسي للقوات المتمردة في الجنوب، وكانت قد استولت عليها عام 1988. وفي 11 يونيه، استولت القوات السودانية على مدينة كاجوكاجي الواقعة على حدود أوغندا، والتي تضم مركز قيادة جون قرنق. وتتحكم هذه المدينة في محور الإمداد لقرنق من أوغندا. وقد اتهم جون قرنق قوات رياك مشار، بالسّماح للقوات الحكومية بعبور الأراضي المؤدية إلى هذه المدينة للقضاء عليه وأسره.

وكانت القوات الحكومية قد تمكنت، في 7 مايو 1994، من استعادة مدينة "الجندلة"، التي تقع على مفترق طرق إستراتيجية قرب مدينة جوبا. كما استعادت، في 15 مايو، مدينة "شهيب" الإستراتيجية، الواقعة على بعد 620 كم جنوب الخرطوم. واستعادت، في 23 مايو، مدينة "بيبور"، في محافظة جونجلي بولاية أعالي النيل. كما استطاعت القوات الحكومية، في 29 مايو، استعادة مدينة منقلا، وهي المدينة الحادية عشرة التي تمكن الجيش الحكومي من استعادتها من المتمردين، منذ بداية شهر رمضان عام 1994.

وقد أعلن اللواء الركن جعفر شريف محجوب، قائد المنطقة العسكرية الاستوائية، أن عدد المتمردين الذي سلّموا أنفسهم، بلغ خمسة آلاف فرد. وأشار إلى أن قواته تتحرك الآن غرب المنطقة الاستوائية لتمشيطها، وقد تمكنت من تدمير معسكر كبير للمتمردين بين ولايتي بحر الغزال والاستوائية.

قررت كل من إيران والسودان، في يونيه 1994، تعميق العلاقات الأمنية بينهما، من خلال اتفاق شمل نشر أسلحة إيرانية في السودان، من أجل تدعيم نظام الحكم في السودان. وأفادت التقارير أن شحنات الأسلحة الأولى، ترافقها وحدات الحرس الثوري الإيراني، قد وصلت فعلاً إلى السودان.

بلغ حجم المساعدات الإيرانية للسودان ما قيمته 20 مليون دولار. ويوجد حوالي 169 خبيراً إيرانياً في سلاح الطيران والدفاع الجوي والصواريخ، يعملون في إدارة قاعدة الخرطوم العسكرية الجوية لتجهيز الطائرات وتقديم الخدمات الفنية.

صرح وزير الدفاع السوداني، في شهر يوليه، أن قواته حققت انتصارات على المتمردين، وسيتم الإعلان قريباً عن تحرير مدينة توريت مقر قيادة جون قرنق. وأكد الفريق الطاهر عبدالرحمن الشيخ، نائب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة السودانية، أن القوات المسلحة سيطرت على الوضع في مدينة جوبا، بعد محاولة الاختراق التي قام بها المتمردون للمدينة خلال شهر يوليه وتكبيدهم خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.

ووصل إلى القاهرة في بداية شهر أغسطس أحد كبار المسؤولين في حركة التمرد، ليشرح للحكومة المصرية رأي الحركة بشأن المفاوضات، التي جرت مع الحكومة السودانية في الشهر الماضي. وأكد أن الهجمات التي يشنها الجيش الشعبي على مدينة "جوبا"، تمثل محاولات جادة للاستيلاء على المدينة، التي بسقوطها سوف تسقط مدن أخرى في الجنوب. وأوضح أن رفض حكومة الخرطوم التخفيف من شروطها، للتوصل إلى تسوية سياسية مع الجيش الشعبي، يشكل ضغطاً قد يؤدي إلى إعلان انفصال الجنوب.

وأكدت وكالة الأنباء السودانية أن القوات المسلحة السودانية، وقوات الدفاع الشعبي قامت بعملية تمشيط في شرق الولاية الاستوائية. وقد كبّدت قوات المتمردين خسائر فادحة في الأرواح، واستولت على كميات من الأسلحة والذخائر.

وصرح الرئيس عمر البشير، أن القوات السودانية أصبحت تسيطر الآن على معظم مناطق الجنوب. وأضاف، على الرغم من الانتصارات التي تحققت، إلاّ أنه من الضروري متابعة المفاوضات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، لأن المفاوضات هي الوسيلة الوحيدة لإيجاد حل للحرب في الجنوب.

وذكرت مصادر جيش التحرير الشعبي، أن طاهر بيور، أحد قادة جيش التحرير، زار القاهرة، خلال شهر سبتمبر 1992، والتقى المسؤولين في وزارة الأوقاف والأزهر؛ وأنه سوف يزور بعض الدول العربية الأخرى، مثل السعودية والكويت والبحرين والإمارات، خلال جولته في المنطقة، ليؤكد لهذه الدول أن الحرب في جنوب السودان، ليس لها صلة بمناهضة الإسلام.

وأكد اللواء محمد عبدالله عويضة، الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، في منتصف شهر سبتمبر، أن القوات السودانية تسيطر على جنوب السودان سيطرة تامة، وحققت سلسلة من الانتصارات، واستطاعت تدمير أكبر مستودع ذخيرة لحركة التمرد جنوب مدينة (كبويتا)، وكذلك معسكراً في منطقة (كركى) غرب وجنوب مدينة جوبا. ونفى اللواء عويضة ما ادعته أجهزة الإعلام الغربية بشـأن عدم استقرار الأوضاع بالمدينة، وأكد أنها تعيش حياة هادئة.

وأعلن الفريق البشير أن القوات السودانية، ستبدأ قريباً في تنفيذ المرحلة الثانية من عمليات "صيف العبور" في جنوب السودان، للقضاء على متمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان. وقال إِن القوات المسلحة ستنفذ، بالاشتراك مع وحدات الدفاع الشعبي، هذه العملية، بهدف استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين. ومن ناحية أخرى هدد السودان باتخاذ تدابير انتقامية ضد أوغندا، في حالة استمرارها تقديم الدعم للمتمردين في الجنوب.

وصف اللواء محمد عبدالله عويضة في بداية شهر نوفمبر، المحاولة اليائسة، التي قامت بها حركة التمرد للهجوم على مدينة (ملكال)، عاصمة ولاية أعالي النيل، بأنها عمل انتحاري. وقد تم تكبيد المتمردين خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. وأكد أن الأوضاع في الجنوب مستقرة، وأن حركة الطيران في مطاري (جوبا وملكال) تسير بشكل طبيعي.

فشلت القوات المسلحة السودانية في الفترة من 1992 إلى 1995، في تحقيق أي نجاح عسكري يُذكر. فقد فشلت على مدى ثلاث سنوات متصلة، في استرداد أو دخول مدينة "نيمولي"، على الحدود الجنوبية المشتركة مع أوغندا، وهي المعقل الرئيسي لقوات "قرنق".

شنّت القوات السودانية هجوماً على المناطق، التي تسيطر الجبهة الشعبية عليها، في 25 أكتوبر 1995. وتمكنت قوات قرنق من إجهاض الهجوم، واستمرت في السيطرة على مناطق "أوينج، ماقوى، فارجوك".

وتواصلت أعمال القتال جنوبي مدينتى كابويتا وتوريت، في شرق الاستوائية. وقصفت القوات التابعة لجناح "وليام نون" مدينة ملكال في أعالي النيل، حيث تتمركز بها قوات مسلحة سودانية.

وتمكنت قوات قرنق في الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر 1995، من حصار قوة سودانية تقدر بحوالي كتيبتي مشاة في منطقة "أسوا" على الحدود مع أوغندا، كما حاصرت، كذلك، مدينة "توريت".

وحاولت قوات قرنق السيطرة على محاور التحرك الرئيسية في شرق الاستوائية، التي تتمثل في:

(1) محور: جوبا ـ توريت.

(2) محور: جوبا ـ كيت ـ أسوا ـ نيمولي.

(3) محور: توريت ـ ماقوي.

ونظراً إلى أهمية هذه المحاور لأعمال المناورة وعمليات الإمداد الإداري، خططت الحكومة السودانية لهجوم مضاد. فحشدت لوائي مشاة وكتيبة دبابات وقوات من الدفاع الشعبي، وست طائرات عمودية في مدينة جوبا. ولكن الهجوم لم ينجح في استرداد أي من المدن، التي احتلتها قوات التمرد.

د. النشاط العسكري للتجمع الوطني الديموقراطي

تبنت المعارضة الشمالية أسلوب "الكفاح المسلح" ضد نظام الحكم القائم في الخرطوم، خاصة مع تعذر إتباع الأساليب التي عرفتها البلاد من قبل مثل  الانقلابات العسكرية أو الانتفاضات الجماهيرية.

ومع تشكيل التجمع الوطني، وضع خطته على ثلاثة محاور أساسية، هي:

(1) عدم توقف النضال المسلح في الجنوب، الذي بدأ منذ أربعة عشر عاماً.

(2) فتح جبهات عسكرية جديدة في شرق السودان، وفي شمال وجنوب النيل الأزرق، وهي تمثل مناطق حيوية ذات أهمية إستراتيجية، لأنها أقرب مناطق الحدود للعاصمة. إضافة إلى احتوائها على مناطق ومدن ذات أهمية كبيرة، مثل بورسودان، الميناء الرئيسي على البحر الأحمر، والدمازين، التي بها أكبر محطة لتوليد الكهرباء، والتي تمد الخرطوم بحوالي 85% من احتياجاتها؛ والرصيرص حيث يوجد سد الرصيرص، الذي يمد شمال السودان بالمياه، وينظم تصريف النيل الأزرق في المنطقة.

(3) دعم قيام انتفاضة في الخرطوم، تؤدي إلى إسقاط النظام الحاكم.

وخططت قوات التجمع لعملية عسكرية متوسطة المدى في منطقة شرق السودان، بهدف إسقاط نظام الحكم في الخرطوم. وعبّر الصادق المهدي "زعيم حزب الأمة" عن ذلك حين قال: إن النجاحات العسكرية للمعارضة في المناطق الحدودية على أطراف السودان، سوف تؤدي إلى إضعاف هيبة النظام وإرباكه، وتقليص قدراته على السيطرة على السكان في أقاليم السودان الرئيسية، خاصة العاصمة، مما يؤدي إلى تشجيع الجماهير المؤيدة للمعارضة على الانتفاض ضد النظام.

شنت قوات الجيش الشعبي هجوماً في شهر مارس، بهدف الاستيلاء على مدينة جوبا عاصمة الجنوب، بدعم أوغندي، وذلك عبر إقليم الاستوائية. حيث استولت على كايا وموروبد في 9 مارس، ثم مدينة ياي في 12 مارس، ثم مدينة كاجوكاجي في 24 مارس، تمهيداً للهجوم على جوبا.

وبدأت المعارضة الموحدة نشاطها العسكري في شرق السودان، اعتباراً من يناير 1997. من المناطق التالية:

(1) منطقة الحدود الإريترية ـ السودانية

تحركت قوات المعارضة من منطقة الحدود عبر كسلا، وتوغلت داخل منطقة همشكوريب، للوصول إلى طريق الخرطوم ـ بورسودان، وهو الطريق الرئيسي الذي يربط الخرطوم بالبحر الأحمر، بهدف عزل مدينة بورسودان (الميناء الرئيسي)، تمهيداً للاستيلاء عليها، ثم الانطلاق في اتجاه الخرطوم بعد ذلك.

وهاجمت المعارضة المسلحة، في 26 مارس، منطقة قارورة ، (تبعد 10 كم عن الحدود الإريترية) واستولت عليها. ثم طورت الهجوم واستولت على منطقة "عيتربة" (40 كم من الحدود الإريترية). وفي صباح 27 مارس هاجمت حاميتي "عقيتاي وعدارات" (7 كم شمال مدينة عيترية)، واستولت عليهما. ثم أعادت قوات المعارضة المسلحة تنظيم قواتها ودعمها في الفترة من 27 مارس إلى 6 أبريل، حين هاجمت يوم 6 أبريل حامية عقيق، واستولت على الحامية والمرسى. وفي 18 أبريل، هاجمت "حامية ميرافيت"، واستولت على منطقة "توفان"، صباح 20 أبريل. وقد استردت قوات الحكومة "ميرافيت"، في 25 أبريل.

وعزّزت الحكومة السودانية الدفاعات على مدينتي "طوكر" و"بورسودان"، لمنع المعارضة من الاستيلاء عليهما.

(2) منطقة الحدود الإثيوبية ـ السودانية

شنت قوات التجمع هجوماً عبر الحدود الإثيوبية، واستولت على مدينتي الكُرمُك وقيسان، للوصول إلى منطقة الدمازين حيث توجد أكبر محطة توليد كهرباء في السودان. كما أعدّت المعارضة المسلحة الكمائن على الطرق، وشنت الاغارات على مواقع القوات المسلحة، بهدف شل حركتها وقدراتها على تقديم الدعم للقوات على الحدود الإريترية. ولم تتمكن قوات المعارضة من الاستيلاء على خزان الروصيرص ومحطة الكهرباء.

وهاجمت قوات الحكومة، في 16 مارس، المعارضة، في منطقتي "شالا والبونج". ونجحت في الاستيلاء عليهما وطرد قوات المعارضة، التي نجحت في استرداد شالا مرة أخرى.

(3) منطقة الحدود السودانية ـ الأوغندية

دفعت قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان في 9 أبريل 1997 بحوالي أربعة آلاف مقاتل، مدعمين بالدبابات والمدفعية الصاروخية، ونيران المدفعية الأوغندية، للهجوم على مواقع الجيش السوداني على الحدود. وقد توقف النشاط العسكري خلال الأشهر التالية، إلاّ من:

(أ) تعزيز المواقع المسيطر عليها كل جانب، والقيام بأعمال الاستطلاع لمعرفة نشاط كل جانب.

(ب) بث قوات الحكومة الألغام على الحدود السودانية ـ الإثيوبية.

(ج) إعادة السودان عدداً من القواد العسكريين المتقاعدين إلى الخدمة في القوات المسلحة.

وفي شهر يوليه 1997، أعلنت قيادة التجمع أن المرحلة الأولى من خطتها العسكرية قد نجحت بنسبة 100%، وأنها ستبدأ المرحلة الثانية من الهجوم، التي تهدف إلى الاستيلاء على أهداف عسكرية ذات تأثير مباشر على النظام. وهي تتداخل مع المرحلة الثالثة، التي تحدد هدفها بضرب ميليشيات النظام وأهدافه في كل أنحاء السودان.

وأعلن جون قرنق، قائد قوات المعارضة، أنهم اتفقوا على هيكل جديد لقواتهم يشمل جميع المجموعات العسكرية للمعارضة، ويكلّفها بمهام محددة. وأضاف، أن القيادة اتخذت قرارات مهمة وإجراءات ستعزز الجهد العسكري للتجمع، وستسرع بالإطاحة بالنظام الحاكم في الخرطوم.

هـ. المشاكل التي جابهت قوات التحالف

(1) إِن حجم قوات المعارضة وتسْليحها، مقارنة بقوات الحكومة، لا يمكِّنها من تطوير عملياتها العسكرية.

(2) نقص الدعم اللوجستي وخفة الحركة أو القدرة عليها لمسافات طويلة.

(3) الشكوك المتبادلة بين قادة الفصائل، خاصة تجاه "جون قرنق"، حيث لا ترغب المعارضة الشمالية في تكثيف النشاط العسكري لجون قرنق في شمال السودان، كما أن نجاحه في الاستيلاء على مدينة "جوبا" قد يدفعه للاستقلال بالإقليم.

و. العمليات العسكرية في عام 1998

شهدت المنطقة الشرقية وجنوب السودان نشاطاً لقوات التحالف الوطني الديموقراطي، تمثل في الآتي:

(1) قوات التحالف الوطني الديموقراطي

(أ) تصاعد أعمال الكمائن والإغارات، وهجمات محدودة في منطقة "كسلا"، كما استولت قوات التحالف على مدينة "قلابات" في منطقة الحدود السودانية ـ الإثيوبية.

(ب) في 29 يناير 1998، قاد "كاربينو كوانين"، أحد زعماء الفصائل الجنوبية "حركة الجيش الشعبي ـ مجموعة بحر الغزال" والذي عاد إلى صفوف المتمردين لعدم تعيينه رئيساً للمجلس التنسيقي المعين لإدارة الجنوب، بالتعاون مع قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ هجوماً على ثلاث مدن: "واو، أويل وقوقريـال" في مديرية بحر الغزال. واستولت قواته على المدن الثلاث، ولكنها انسحبت من مدينة واو نظراً إلى قوة القوات السودانية المتمركزة في المدينة.

(ج) هاجمت قوات المعارضة في الشمال مواقع عسكرية، بالقرب من مدينة "كسلا". ودعّمت الهجوم القوات الإريترية بقصف بنيران المدفعية. وردت القوات السودانية بقصف بنيران المدفعية طويلة المدى، وتمكنت من إحباط الهجوم وإنزال خسائر في القوات الإريترية وقوات المعارضة.

(2) على الحدود السودانية ـ الإثيوبية

تمثل النشاط العسكري للمعارضة في اشتباكات محدودة بنيران المدفعية، وزرع حقول الألغام على طرق ومحاور تقدم القوات المسلحة السودانية. وفي 7 فبراير 1998، هاجمت قوات المعارضة ـ تحت ساتر نيران المدفعية من داخل الأراضي الإثيوبية ـ المواقع السودانية في منطقة مدينة "قلابات"، واستولت على المواقع الدفاعية حول المدينة. وتكبدت القوات السودانية خسائر جسيمة في المعدات والأرواح.

وتتابع نشاط الجبهة الشرقية والجنوبية، اعتباراً من شهر أغسطس، على النحو الآتي:

شنت قوات التحالف هجوماً عبر الحدود الإريترية ضد معسكرات للقوات المسلحة السودانية، في الفترة من 2 إلى 4 أغسطس، أسفر عن مقتل 24 جندياً. وقصفت المدفعية السودانية قوات المتمردين بالقنابل الأنشطارية، وأسفر القصف عن مقتل أربعة من قوات الاتحاد وجرح ستة آخرين.

هاجمت قوات التحالف، في 8 أغسطس 1998، مواقع في شرق السودان، وقتلت وجرحت 34 جندياً. وقصفت المدفعية السودانية مواقع قوات التحالف في منطقة كسلا، وأسفر القصف عن قتل وإصابة أربعة من قوات التحالف.

(3) على الحدود السودانية ـ الأوغندية

في الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر، هاجمت قوات مشتركة من قوات جون قرنق وقوات أوغندية، منطقة الحدود السودانية ـ الأوغندية في مناطق "الجبلين ـ  توريت ـ ليريا". وأعلنت الحكومة السودانية عن قتل عدد من المهاجمين، وقُتل ثلاثة من القوات الحكومية، وجرح خمسة من المتمردين. وتم الاستيلاء على دبابات وعربات مدرعة، وكمية كبيرة من المعدات العسكرية الأوغندية. وأذاع متحدث باسم الجيش الشعبي، أن قواته استولت على حامية عسكرية في منطقة الجبلين شرق مدينة جوبا، في 14 سبتمبر 1998، وأنه قد تم قتل وإصابة 40 جندياً نظامياً، وأن القوات السودانية ارتدت إلى النقطة 34 على محور جوبا ـ نيمولي، وأن قوات الجيش الشعبي تمكنت من صد هجمات مضادة من القوات المسلحة السودانية. وقد جرت المعارك على خمسة محاور من العاصمة الإقليمية جوبا، في اتجاه النقطة 38، التي تتمركز بها قوات الجيش الشعبي.

أعلنت القيادة العسكرية السودانية التعبئة العامة، والاستنفار الشامل في السودان، لمواجهة هجوم أوغندي - إريتري، وقوات التحالف على الحدود الجنوبية والشرقية للسودان. وأُغلقت الجامعات لمدة شهر حتى يتمكن الطلاب من التوجه إلى مناطق العمليات. وأُعلن عن فتح باب التطوع لمواجهة الهجوم المتوقع.

وأعلن متحدث رسمي باسم القوات المسلحة السودانية، "أن القوات المسلحة قتلت وأصابت 450 جندياً أوغندياً وإريتريا ومتمرداً جنوبياً، في معارك تدور منذ بداية سبتمبر 1998 في جنوب السودان، في ولايتي "بحر الجبل، شرق الاستوائية" الواقعتين على الحدود الأوغندية، ودمرت 15 دبابة، و3 عربات من قوات الفيلق الثالث المشاة الأوغندي، الذي قام بعملية الهجوم في منطقة شرق الاستوائية، وأن الفيلق السابع الأوغندي قد عزز الدفاع على خط الحدود السودانية ـ الأوغندية، التي تمتد لمسافة 460 كم، بهدف دعم الجيش الشعبي لتحرير السودان، وذلك بدءاً من 14 سبتمبر 1998.

وأعلن متحدث باسم الجيش الشعبي، في 19 سبتمبر، أن قواته قتلت 131 جندياً من الجيش الحكومي، خلال هجومين على حامياته في منطقتي "الجبلين، وليريا" على مسافة 50 كم من مدينة جوبا، واستولت على الموقعين. وأن خسائر قوات الجيش الشعبي بلغت 11 قتيلاً و38 جريحاً، ونفى مشاركة القوات الأوغندية في الهجوم.

وأعلن متحدث باسم القوات المسلحة السودانية يوم 25 سبتمبر، أن القوات السودانية في جنوب السودان نجحت في الاستيلاء على منطقة "جبل المليح"، التي استخدمها المتمردون كقاعدة انطلاق لمهاجمة القوات السودانية في منطقة "توريت". وأن قوات المتمردين أُرغمت على الارتداد بعد إصابتها بخسائر بلغت 50 قتيلاً، وعدداً كبيراً من الجرحى". وقد أُسر 4 جنود من المتمردين بينهم جندي أوغندي، وخسرت القوات السودانية 16 قتيلاً، و20 جريحاً.

انحصر الصراع المُسلح، بين القوات السودانية وقوات الجيش الشعبي في جنوب السودان، حول جسر يبعد 32 كم غرب "توريت"، في محاولة الاستيلاء على توريت. فالاستيلاء عليها يُسهل للقوات الجنوبية تطويق جوبا عاصمة الإقليم. وقد تمكنت القوات المسلحة السودانية من السيطرة على الطريق الإستراتيجي، الذي يربط بين مدينة "جوبا" في جنوب السودان، و"توريت" أكبر مدن ولاية شرق الاستوائية، وذلك اعتباراً من 8 أكتوبر، وتم تطهير جيوب قوات الجيش الشعبي في مناطق "ليريا، وجبل المليح، وجبل القطن، وخور الإنجليز" واستعاد الجيش السوداني السيطرة على هذه المناطق. ولم تتمكن المعارضة حتى نهاية عام 1998، من تحقيق أهدافها المعلنة، وهي:

·   الاستيلاء على مدينة الدمازين، في منطقة جنوب النيل الأزرق.

·   قطع طريق بورسودان ـ الخرطوم.

·   الاستيلاء على جوبا.

·   كما لم تحدث الانتفاضة المحمية بقوة السلاح، كما وعدت المعارضة.

5. الموقف في ظل الصراع الإثيوبي ـ الإريتري، والحرب الأهلية في الكونغو الديموقراطية

من المنتظر أن يؤدي الصراع الإثيوبي ـ الإريتري إلى الآتي:

أ. الحد من المساعدات العسكرية الإريترية لقوات التحالف، نظراً إلى الخسائر التي أصيبت بها القوات الإريترية واستمرار عملية الصراع.

ب. يمكن تحسن العلاقات الإريترية ـ السودانية، الإثيوبية ـ السودانية، نظراً إلى محاولة كل من إثيوبيا وإريتريا الحصول على دعم من السودان، وحجبه عن الطرف الأخر. وبالضرورة سوف يؤدي ذلك إلى تقلص مساعدات إريتريا وإثيوبيا، إلى كل من قوات المعارضة الشمالية السودانية، وقوات الجيش الشعبي لجنوب السودان.

ج. نتيجة لدعم أوغندا قوات المتمردين التبسي في شرق جمهورية الكونغو الديموقراطية، واشتراك قواتها المسلحة في الصراع الدائر هناك، فإنه يتوقع أيضاً أن يتقلص حجم الدعم الأوغندي لقوات جون قرنق. وسيؤدي ذلك إلى تحسن موقف القوات الحكومية السودانية.