|
![]() |
الملحق الرقم (10)(*)وقائع اجتماع مؤتمر الدوادمي "إنني قد واعدتكم هذا المكان، للاجتماع فيه، وأنا أعلم أنكم ثلاثة أقسام: أما قسم، فإني موقن إخلاصه ونصحه لدينه وولايته، وليس عندي فيه شك، ولا شبهة. وأما قسم، فأعلم أنه تبع لكل ناعق. وأما قسم، وهو الأقل الأصغر ـ والحمد لله ـ فهو الذي في قلبه ريب، من البُغاة ومن اشترك معهم، من الذين قدر الله عليهم ما قدر. وكنت قد استعجلت السفر للحج، بعد السّبَلَة، قبل أن أتفقد أحوالكم، وأميز الخبيث منكم من الطيب. لأن وقت الحج قد أدركني، وكان في ذلك خيرة. إذ كان من الصعب معرفة الحقيقة، بعد خروج أولئك البغاة من تلك الكسيرة. إذ عم الجميع الخوف والذل، وأظهروا الطاعة، فمن العسير التمييز بين الصادق في دعواه والمضمر للشر. ولكن من العادات، التي عودنيها ربي، أن يحفني، على الدوام، بألطافه، ويفضح أهل الشر، الذين يضمرون السوء لدينهم وولايتهم ووطنهم؛ فكانت فكرة العجمان، ومن التفّ حولهم من المفسدين، سبباً لظهور أهل الزيغ بزيغهم، ونكلمهم بما يفيد رضاءهم عن أولئك المرتدين الفجرة؛ وبذلك، تميز أهل الحق عن أهل الباطل، وظهروا عياناً لجماعة المسلمين". "إن اعتصامي بالله، وسيري على الطريقة المحمدية، واقتدائي بعلماء المسلمين، تدعوني ـ إن شاء الله تعالى ـ لعدم الجموح بالنفس. لذلك، أقدم لكم، قبْل كلامي، ما أفتى به علماء المسلمين، بشأن أولئك البغاة، وما كتبوه من النصائح والإرشادات، ليتبين الحق من الباطل، وليحيا من يحيا عن بينة ويهلك من يهلك عن بينة". ثم أمر جلالته بتلاوة ما أفتى به علماء نجد الأعلام، بشأن الذين خرجوا عن الطاعة من أولئك البغاة، والنصائح والإرشادات، التي كتبت للجميع. فسمعها الجميع منصتين، خاشعين، باكين، مستغفرين. فلما أتم القارئ ما بدأ به، عاد جلالته إلى الكلام فقال: "يا أهل نجد، ولا أريد بأهل نجد، في هذا الخطاب، أولئك الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، بل أريد من كان من أولئك البغاة، أو رأى رأيهم. تفهمون أننا ـ ولله الحمد ـ سادتكم. وأبناء سادتكم. ملكنا بالله، ثم بكلمة التوحيد والسيف. فرحمنا الصغير، ووقرنا الكبير، وواسيناكم بأنفسنا. وأصبحتم أعزاء بعد الذلة، وأغنياء بعد الفقر. كل ذلك بأسباب الله، ثم بأسبابنا. فبعد أن نلتم من أسباب العز والظفر ما نلتم، غرتكم أنفسكم، ونفخ الشيطان في أنوفكم، وظننتم أنكم صرتم فوق الناس، فأخذتم تفتاتون في الأمر، على غير علم، ولا هدى، تحرمون وتحللون. مددتم ألسنتكم وأيديكم إلى ما ليس لكم به علم، ولا حق، حتى ظهر الفساد، واستفحل الأمر. ورأيت أن الواجب، يقضي بإيقاف المغرور عند حدّه. فقدمت، لذلك، النصائح والمرشدين. فلم يجدِ ذلك نفعاً، حتى قدر الله للسيف، فحكم حكمه، يوم السّبَلَة، ذلك اليوم، الذي رجوت أن يكون الحاسم للشر، فيرجع صاحب العقل إلى رشده. وقد حصل ـ ولله الحمد ـ ما تمنيت، فهدى الله من هدى منكم، وعرف الأمر، وقامت الحجة على المخالف". "والآن، يا أهل نجد، إن هذا الملك، الذي ولاني الله أمره، لكم مصالحه؛ تأكلون خيراته، وأنا أُثقل بهمه ونكباته. فإن أجهدتم أنفسكم في صلاح دينكم وملككم، فهذا من حظكم، بتوفيق الله لكم. فإن أبيتم إلاّ أن تكونوا عوناً لأعدائكم في إفساد أمركم، فأنا بريء من فسادكم، وسترون عملي فيكم. وأعتقد أنكم لم تنسوا أمري فيكم، يوم خرجت عليكم بأربعين راكباً، وعبدالعزيز بن رشيد في جموعه وجنوده، من خاصته ومنكم، ومن ورائه الترك، يمدونه بالجنود والمدافع والأموال، ثم كانت حكومة الحجاز، تناصره وتساعده؛ ومساعدي منكم قليل، وذلك القليل كان يساعدني بقلبه، دون فعله، فأعانني الله، وقبلت الراعي، وملكت الرعية، فهل لأحد منكم في ذلك مِنّهّ؟ كلاّ، ثم كلاّ، إن المنّة لله وحده. هل منكم أحد، إلاّ الأقل، لم تلعب في رقاب آبائه وأجداده، سيوفي وسيوف آبائي وأجدادي، من قبْل؟ كل ذلك لعنادكم، من قبْل ومن بعد، عن الخضوع للشريعة ودين الحق. أفترون، بعد هذا كله، ترك شرذمة قليلة، تبطل الشريعة وتفتات على دين الله، تقطع السُبل، وتفرق بين جماعة المسلمين؟ لا والله ـ إن شاء الله ـ". "يا أهل نجد، لقد عاهدت الله على ثلاث: "يا أهل نجد، أريد منكم ثلاثاً: أنه من كان له حق عندي، في أمر دينه أو دنياه، فليبده لي (الأصل غير واضح) من كتم ظلامته في (الأصل غير واضح) ولكم عهد لله وميثاق، أن من كانت له ظلامة لأنصفنه فيها، ولو كانت عليّ أو على أحد من أولادي وأقاربي". فأجاب الجميع: والله ما لنا شيء نطالب به، ولا نرى منك غير الإحسان والنصح. ثم واصل جلالته الكلام، فقال: "وثانياً: آمُركم جميعاً، يا رؤساء القبائل والعشائر، من المحسوبين عليّ، أن تعاهدوا الله، ثم تعاهدوا إخوانكم من أهل نجد، فتشركوهم معكم في جميع الإحسان، الذي تنالونه مني، وأن تجزعوا لهم من أي عمل يعمل فيهم، بغير حكم الشرع". "وثالثاً: أريد أن تعاهدوني جميعاً، وبالأخص جماعتي، الذين كانوا معي، من قبْل ومن بعد، وكذلك من وثقتم، من الذين كانوا مع المخالفين في السابق، ورجعوا لأمر دينهم ـ أن تعاهدوني جميعاً على النصح لجماعتكم المخالفين في السابق. فمن أطاع وأناب، فقد أعطيتكم له الأمان على ماله ودمه، وعن جميع من يكره. ومن أبى، فعليكم أن تجاهدوه، حتى يثخنه الله، ولا يبقى له اسم. واعلموا أنني عازم ـ إن شاء الله تعالى ـ على استئصال شأفة البقية الباقية من البغاة المرتدين، فلول العجمان، وفلول من تبعهم، ولا بدّ من المسير إليهم. وسآمُر بالمسير إليهم متى هلّ هلال ربيع الأول، ولا أقبَل من إنسان، حضر وقعة السّبَلَة مع البغاة، أن يتخلف عن المسير إليهم. فمن جاهد وسار معنا، فهو منّا، ونحن منه. ومن تخلف، بغير عذر شرعي، فإما أن تقتلوه وتريحوا المسلمين منه، وإما أن تأخذوا قوّته من سلاح وجيش وخيل". فلما انتهى جلالة الملك من كلامه إلى هذا، استأذنه من ذكرنا أسماءهم، من كبار القوم، في الكلام، فأذن لهم. فقالوا: "إننا قد تكلمنا فيما بيننا. وإن كل أمر يغيظك، يغيظنا. وقد تعاهدنا وتعاقدنا على أمر، إن أجزتنا عليه، أنفذناه؛ لأن ذلك من النصح لديننا ولولايتنا، ومكافأة لمعروفك معنا، وذلك بأنا سنقوم بنصح من كان مغتراً من جماعتنا. فمن أطاعنا، أحببناه وسلمناه، وكان له ما لنا، وعليه ما علينا؛ ومن أبى، قاتلناه، ولو كان من أولادنا أو إخواننا. ونحن نُعاهد الله، ثم نعاهدك على ذلك". وبعد أن قام الرؤساء، وبايعوا إمامهم على ذلك، طلبوا أن يكتب ما تقرر في ذلك المجلس، في كتاب، ينشر على الناس كافة. فلما دُعِيَ الكاتب ليكتب، قام بعض الرؤساء، الذين كانوا من قبْل مع البغاة، فقالوا: "إذا أذن لنا الإمام بالكلام تكلمنا". فأذن لهم، فقالوا: "لقد خصصت إخواننا بالقول من دوننا، وهذا لهم الحق فيه، وهم يستحقون منك التخصيص. ونحن قد حضرنا هذا المجلس، فنحب أن تبين لنا مطلوبك منا". فأجاب جلالته: "إن مطلبي منكم، هو مثل مطلبي من غيركم، كما بينته في كلامي وسمعتموه. فإن كان عندكم شيء أنتم، فأبدوه". فقالوا: "أما نحن، فقد أخطأنا وأذنبنا. والآن، نستغفر الله، ونتوب إليه، ونشهد الله على خطئنا. وإذا خالفنا ما أنتم عليه، وما قررتموه، من معتقد أو جهاد أو سمع وطاعة، فقد خرجنا نكثاً، وحلت لكم دماؤنا وأموالنا. وإنا نعاهدك على ما عاهد عليه إخواننا. ولنا مطلب، إذا أذنت" (الأصل غير واضح). فقال: "قولوه" (الأصل غير واضح). فقالوا: "إنا نطلب العفو والأمان، عن محسننا ومسيئنا، والغائب منا والحاضر. نريد الأمان على الرقاب والأموال والحبس والنكال. وأن يسمح خاطرك عن جميع ما وقع منا، من قبل" فقال: "نعم، إنني ممض لكم بعض ما طلبتم. ويستحيل أن أجيزكم على غيره. أما الضعيف والمتابع، فلن أُوقع به نكالاً. أما الرؤساء، فلا بد من تحكيم أمر الشرع فيهم". فقالوا: "إنهم خدامك، وتحت يديك". فتقدم الرؤساء الصادقون، وقالوا: "يا طويل العمر، إنهم خدامك. ولا لهم راحم، إلاّ الله، ثم أنت. ونرجو من الله، ثم منك، أن تسمح (وتجعلها خَضَرا عليها جلالها )"(*). فأطرق جلالته قليلاً، ثم قال: "قد أجبناكم، وأعطيناكم الأمن والعفو التام". ثم قام الرؤساء المقربون، فقالوا: يا طويل العمر، لا تحسب أن كلامنا فيهم محبة لهم، أو شفقة عليهم. لا، والله، ليس لنا قصد، إلاّ أنه ما زاد الله عبداً يعفو، إلاّ عزاً. ونريد لك الخير. والثاني، زيادة حجة عليهم. وإننا نعاهدك أننا عيونك عليهم، ومتى رأينا مخالفاً، ولو بكلام فقط، بغير فعل، فسنسعى في ذهابه وتنكيله". فقال: "بارك الله فيكم. وهذا الواجب عليكم. وأحسن ما فعلتموه أنكم أعنتمونا على العفو، ونفعتم قبيلتكم". ثم تقدم الكاتب، وكتب القرار الآتي: شهد بذلك: ــــــــــــــــــــــــ (*) صححت الموسوعة الخطاب لغةً وإملاءً وترقيماً. (*) جريدة "أم القرى"، العدد الرقم 239، الصادر في 14 صفر 1348هـ. (*) مثل في نجد يراد به طلب العفو التام. |