تابع الملحق الرقم (5)
و. من رسائل الإمام سعود بن عبد العزيز الوعظية
ـ 1 ـ
من سعود بن عبدالعزيز إلى عامة المسلمين(*)
بسم الله الرحمن الرحيم
من سعود إلى من يراه من المسلمين، سلمهم الله من الآفات، ووفقنا وإياهم لفعل الطاعات، وجنبنا وإياهم فعل المحظورات.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد موجب الخط النصيحة لكم والشفقة عليكم، والعذر من الله مما يتعلق بنا من حقوقكم، وعلينا الجهد، والتوفيق بيد الله، وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ .
والنصائح كثرت، ولا أراها تثمر في كثير من الناس. وأعظم النصائح، وأبلغ النصائح، نصائح الرب ومواعظه لعبيده، وتبيينه لهم، سبحانه، ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وتحذيره لهم ما يضرهم في دنياهم وآخرتهم، ومن سمع القرآن، وقرأه فالذي قلبه حي كُفي بالقرآن واعظاً.
والله سبحانه وتعالى منَّ علينا بدين الإسلام، وكل نعمة دون نعمة دين الإسلام، وهو أعظم نعمة أنعم الله بها على العبيد، وجمع الله لكم فيه بين خير الدنيا ورجاء ثواب الآخرة، وأعطاكم به فوق ما تؤملون، وصرف به عنكم جميع ما تكرهون، وهو المحمود على جميع الأحوال فكونوا ممن يحدث عند النعمة شكراً، وعند المصيبة صبراً، وينفق مما أتاه الله في السراء والضراء، والشكر أعمال، كما قال: اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ .
وأكثر ما نخاف علينا وعليكم، عدم العمل بما نعرف، وهو المصيبة الكبرى، فلو يحصل العمل بالشيء الذي يشهد الناس أن الله أوجبه، ولا يبقى تقصير إلا في الذين يجهلونه؛ ثم الأمر، وهو مثل ما ذكر من عمل، بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم، والذي أوصي به نفسي، وأوصيكم به، تقوى الله في السر والعلانية، وإخلاص جميع الأعمال لله وحده لا شريك له، ومتابعة الرسول . وهذان الأصلان هما جماع الدين، ولا يستقيم دين إلا عليهما كما قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا . وأنتم تعلمون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة، مع كونه فريضة، حقق عليكم في العهد كما قال تعالى: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا .
ولو علمت أن هذا الفتور يجري منكم، ما أكدته عليكم في العهد، مع أن هذا شيء أوجبه الله، والعهد زيادة تأكيد، ولا لأحد عذر ليتعذر به من الله، إلا والعياذ بالله إن كان عدم ديانة، أو تغافلاً من الذي فيه ديانة، والدين مثل ما قال الله جل جلاله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ، لا بد من العمل به ما دام الروح في الجسد، وهذا ظاهر ولا أحد تغير عن حاله بقيام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وانتم تعلمون أنه ليس هذا بأحسن من وقت النبي ، ولا بلداننا خير من مدينة رسول الله ، وتفهمون ما يقع فيها من العدد والأدب، فالنبي همّ بإحراق البيوت على المتخلفين عن الصلاة مع الجماعة، وذكر رسول الله : ما منعه إلا من في البيوت من النساء والذرية، وأنتم هؤلاء ترون ما وقع من الناس من الخلل في الصلاة، من التخلف عن صلاة الجماعة، وتضييع أهل الأطراف، والنخيل، الصلاة، وتركهم كلاً يصلي على هواه، وتأخيرهم أكثرهم الصلاة عن وقتها، والإساءة في الصلاة، من مسابقة الإمام فيها، ونقر الصلاة، وذكر المحسن في صلاته، شريك للمسيء إذا لم ينهه، وما وقع من خلل الناس في زكاتهم، ومن الناس من يخرج زكاة لا تجزي عنه، ومنهم من يمنعها، ومنهم من يبخل ببعضها.
وكذلك يذكر لنا في بعض البلدان بخس المكاييل والموازين، وأيضاً اجتماع الرديين (الرديئين) في مقاهي ومعاشر ولا يمنعون، وكذلك الربا في المبايعات، وأنتم تفهمون تغليظ الرب تعالى في الربا، قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ . وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُـمْ تَعْلَمُـونَ (280) وَاتَّقُــوا يَوْمًـا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ .
وقال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . واستحل كثير من الناس الربا بشبه، وهو مثل ما ذكر: لا تستحلوا محارم الله بأدنى الحيل، ومثل ما ذكر: من استحل محرماً فقد كفر، فالمستحل لهذا مخادع لله، والله أعلى وأجل، وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ، وصور البيع ومداخله، تشرفون عليها، إن شاء الله، بخط آل الشيخ، نحن ما نعين الناس على المبايعة بها.
وأنا ملزم كل أمير، وكل مطوع، وكل صاحب دين، يخاف الله ويرجوه، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يقوم على الناس في جميع ما ذكرنا من المسائل التي ذكر، وغيرها، من جميع المنكرات، ويقومون على الناس في تعلم دينهم، وأداء ما فرض الله عليهم، وطلب العلم، وإلزام كل من يتخرج في طلب العلم، وتنشئة الصغار على تعلم القرآن، وكل أهل بلد يجعلون عندهم نسخة، فإذا جرى مبايعة فيشرفون عليها مطوع البلاد، ويكتب المطوع على المبايعة.
وأنا آمر هؤلاء الذين معهم الورقة، يختارون من كل أهل بلد ثلاثة أهل دين، وأنا ملزمهم بتتبع التجار والفلاح في مسألة المبايعة، ومن فعل شيئاً مما بيننا في هذه الورقة، فيبينون للأمير، فإن كان الأمير ما قام وأدب، وأدبت الفاعل، وهذه أمور وخيمة، وخطرها كبير في الدنيا والآخرة، ولا والله ما حملني على هذا إلا المشحة بكم، والخوف من الله عليكم وعليّ، والله جل جلاله قال: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ، ونعوذ بالله من التغير ونسأل الله لنا ولكم العافية.
وأحاذر علينا وعليكم من هذه الآية التي ذكر الله سبحانه، وحذر عنها أصحاب رسول الله ، وذكر أنها نزلت بعد الهجرة بأربع سنين قوله تعالى: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ، وقسوة القلب كفى بها من عقوبة، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. وذكر أن أبعد القلوب عن الله القلب القاسي، وأنتم ترون مثل ما قال جل جلاله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ . وقال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ . وقال تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ . وقال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ .
وقال تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . فلا جعلنا الله وإياكم أمثالهم وأشباههم أعاذنا الله وإياكم من ذلك، ومثل ما ذكر: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة . قال الله تبارك وتعالى إخباراً عن نوح عليه السلام قال: يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا .
والتوبة لها شروط ثلاثة: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على ألا يعود، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(*) د. منير العجلاني، تاريخ البلاد العربية السعودية عهد الإمام سعود الكبير، الجزء الثالث ج3، ص241-245.
|