الملحق الرقم (5)
نماذج من رسائل الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود
أ ـ من الإمام سعود بن عبدالعزيز إلى الكتخدا علي بك نائب والي بغداد(*)
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليه أتوكل ولا قوة إلا بالله
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ ءَايَةٍ مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ (6) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ .
وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ ءَالِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا .
وقال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ ءَاتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا .
وقال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين َ(4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ . وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41)إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
وقال تعالى حكاية عن يوسف : يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ .
وقال تعالى مثلاً لمن دعا غيره: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ .
وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ(22)وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ .
وقال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ .
وقال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ .
وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ .
وقال تعالى: يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ .
وقال تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ .
وقال تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا .
وقال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ .
وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا
وقال تعالى: مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ .
وقال تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ .
وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ .
وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ .
وقال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا .
وأمثال هذا في القرآن كثير، كل ذلك في النهي عن الشرك وتقبيحه، وبيان بطلانه، والتبرؤ منه واجب قبل التوحيد، وهو معنى قوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . وهو معنى قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ، وقال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ، وقال تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَق .
وقال تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير .
وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ .
وقال تعالى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ .
وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ .
وقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .
وقال تعالى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .
وقال تعالى: وما أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ .
وقال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ .
وقال تعالى: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .
وقال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ . وأكثر القرآن يدل على هذا ويقرر عبادة الله وحده لا شريك له ويحذر من عبادة ما سواه.
والعبادة هي أفعال العباد، وهي اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فمن صرف من ذلك شيئاً لغير الله فهو مشرك، سواء كان عابداً أو فاسقاً، وسواء كان مقصوده صالحاً أو فاسداً، ولا يُعمي عن هذا إلا طاعة الشيطان، واتباع الهوى، والتكبر عن اتباع الحق والمجادلة بالباطل، كما قال تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى .
وقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .
وقال تعالى لعبده داود : يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ .
وقال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .
وقال تعالى حكاية عن المشركين: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ .
وفي الآية الأخرى: قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ .
وقال تعالى: مَا يُجَادِلُ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ إلى قوله: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ .
وقال تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ .
وقال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .
وقال تعالى: وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ .
وقال تعالى في حق القرآن: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ .
وقال تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِين .
وقال تعالى: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون .
وقال تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا(19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا .
وقال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . والهدى الذي وعد الله به خلقه. هو محمد والقرآن. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما تحصى ولا تعد.
فمن ذلك أنه أخذ عشر سنين وبعض الحادية عشرة قبل أن تفرض الفرائض يدعو الناس إلى توحيد الله وعبادته وترك عبادة ما سواه، يوافي الناس بالمواسم بعكاظ وذي المجاز ومجنّة(*) يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله كلمة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وتكونون بها ملوكاً في الجنة ، فلما قال لعمه أبي طالب حين حضرته الوفاة: يا عم، قل لا إله إلا الله ، فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبدالمطلب. ولما قال لقومه: قولوا لا إله إلا الله ، قالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ، فعرف كفار قريش أن قول لا إله إلا الله ليس مجرد اللفظ وإنما معناها نفي الإلهية عما سوى الله وإثباتها لله تعالى وحده لا شريك له، فلا خير في من كفار قريش أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله.
وفي الحديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، وفي الحديث الثاني: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل قال أبو بكر : فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عقالاً، وفي رواية عناقاً، كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها، وفي الحديث الثالث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به ، وفي الحديث أنه قال : بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم ، وفي الحديث أيضاً حين سأله جبرائيل بحضرة الصحابة رضوان الله عليهم، قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتب
ه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . الخ الحديث... فلما ولى قال لعمر: أتـدري من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم .
ومن ذلك: مما يرد قولكم، ويبطل أعمالكم، قوله : كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ، وفي الحديث الآخر: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ، وفي الحديث أنه قال : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ، وقال :
إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه
وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، قال الله
تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم ، وقال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وقال تعالى:
وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ، وفي الحديث عنه :
عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور
فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة . فالناصح لنفسه،
الطالب نجاتها، المتبع للحق، يأخذ دينه من أصله، من كتاب الله وسنة رسوله ، كما قال تعالى:
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ
، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ
الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
الْخَاسِرِين
وهذا كتاب الله بين أيديكم وتفاسيره موجودة وأحاديث
رسول الله كذلك، وشروح العلماء الربانيين
وما فسروا به القرآن والأحاديث. والقول الذي لا حقيقة له لا يجدي على قائله شيئاً،
أما دعواك أنك على حق فمعاذ الله ووعودك باطلة، ومن أكذب الكذب. وكل من له عقل
صحيح، يشهد ببطلان قولك، وافترائك، وكذبك. فإن قلت إن الله أمر بعبادة غيره أو أمر
رسوله بها، فهذا عين الباطل، وأكذب الكذب الذي ترده الفطرة،
وكتاب الله وسنة رسوله. وإن قلت إنكم لم تعبدوا غير الله ولم ترضوا بذلك ولم تأمروا
به الناس فأفعالكم تبطل أقوالكم ظاهراً وباطناً، فإذا كان هذه الحضرات الباطلة،
والمشاهد الملعونة، والبنايات على القبور، وصرف حق الله تعالى لها، من دعاء وذبح
ونذر وخوف ورجاء، وسؤال ما لا يسأل إلا من الله تعالى، والصلاة عندها والتمسح بها
والهدايا إليها وما أشبه ذلك من الأمور الشنيعة القبيحة، كل ذلك موجود عندكم
ظاهراً، والذي لم يفعل ذلك فهو راض بفعله، وذابّ عن أهله بالمال واللسان واليد.
وكذلك الصلوات الخمس متروكة، وكثير من الناس عندكم لم يصلوا جمعة ولا جماعة ولا
منفردين والذي يصلي منكم، الكثير منهم يصلي في بيته منفرداً والذي يصلي جماعة قليل
الناس، فإذا صلى خرج على الناس وهم في الأسواق، تاركين الصلاة، مقيمين على الفسوق
واللهو والفجور والبغي ولا ينكر عليهم. وكذلك الزكاة متروكة، لا تخرج من الأموال،
ولا تخرص الثمار، ولا يعمل فيها عمل رسول الله ، ولا تجبي
زكاتها، ولا تصرف في مصارفها التي صرفها الله من فوق سبع سموات، كما قال : إن الله لم يرض في الزكاة بقسم نبي ولا غيره بل
جزأها بنفسه وتولى قسمها بقوله تعالى:
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا
وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وجميع أعمال البر
غير الفرائض لم تكن لكم شعاراً، ولم تأمروا بها وجميع القبائح عندكم ظاهرة وهي سجية
كثيركم، الشرك بالله، والزنا، واللواط فعل قوم لوط أهل المؤتفكات الذين قال الله
فيهم: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى
(53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى .
نعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم من سخطه وعقابه.
وكذلك الربا والسحر والادعاء ـ يعني ادعاء علم المغيبات ـ وجميع الآثام كالخمر
وأنواعه من المسكر، كالتنباك وأشباهه، والبغي والظلم والعدوان، وأخذ أموال الضعفاء
والفقراء، وأرباب الأموال وأهل الحرث، تأخذون أموالهم قهراً وظلماً وعدواناً،
وأشباه ذلك مما يطول عده، ويكثر ذكره، كل ذلك وأمثاله عندكم لم تنكروه، والذي
يدَّعي أنه لم يفعل من ذلك شيئاً، فهو كما قدمنا لم ينكر، ولم يفارق أهله، بل هو
قائم بنصرتهم بماله ولسانه، فهو وإن لم يفعل ذلك فهو وهم سواء كما قال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ
إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا
تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا
مِثْلُهُمْ ، وقال تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا
ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ
كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ .
وقال تعالى:
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ
مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ
، وفي الحديث: أنا بريء من مسلم بين ظهراني
المشركين ، وفي الحديث الثاني: ولا (تراءى نارهما) . وها أنتم تعرفون فعلكم، وتعرفون ما عندكم من الشرك
والقبائح، وتعرفون أنفسكم كما قال تعالى:
بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ .
وإن قلت أيها المبطل: إن الذي أنتم عليه، هو الذي أمر
الله به ورسوله، فقد كذبت وافتريت على الله ورسوله، وكابرت بالكفر والضلال، ونسبت
إلى الله ما لا يليق به ونسبت إلى رسوله ما لا يليق بحقه،
ويكذبك في ذلك كتاب الله وسنة رسوله ، وإجماع سلف الأمة
وخلفها، كما قال تعالى:
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ
أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ
. واعتمدت في ذلك على قول إخوانك الكفرة الذين من قبلك، بما ذكر الله عنهم في
كتابه، بقوله تعالى:
وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءَنَا وَاللَّهُ
أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى
اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا
وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، وقوله: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ وذهبت إلى ما ذهب إليه أخوك فرعون، حيث قال لما
دعاه موسى ، قال لقومه: ما أريكم إِلا مَا أَرَى وَمَا
أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ ، فزعم عدو الله أنه
واعظ مذكر، قبّحه الله من واعظ ومذكر. وذهبت إلى ما ذهب إليه أخوك أبو جهل حين قنت
عليه رسول الله ، قال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه
الغداة ، قال تعالى: إن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ
، فأحانه الله الغداة، ولله الحمد والمنة، وطأ على
رقبته عبدالله بن مسعود في المعركة، وقال عدو الله: لمن الدائرة اليوم؟
فقال: لله ورسوله، يا عدو الله جعلك الله كذلك. ونقول جعلك الله كذلك إن شاء الله
تعالى.
وأما إنكارك علينا تحليق الرؤوس، وتقول: إنّا نحرم إسبال
الشعر، ولم تلق علينا غير ذلك، فنقول إنك كاذب علينا، ولا نقول إنه حرام إسبال
الشعر، ونعلم أن رسول الله وأصحابه رضوان الله عليهم،
يسبلون الشعر، وها أنتم تعلمون أن رسول الله
أمر بحلق الشوارب، وإرخاء اللحى، وخالفتموه، حلقتم اللحى، وعقدتم الشوارب وشابهتم
النصارى في ذلك. فإن كنت تزعم أن كل من حلق رأسه خارجي، فانظر في رعاياك، وتراك ما
تلقى في بغداد إلا محلوقاً رأسه، وربما أنك محلوق رأسك. فالذي نفعل ولا ننكر: أنه
لما رزقنا الله الإسلام، وقام القتال بيننا وبين أعدائنا، وقع مقاتلة عظيمة ومعركة،
واختلط المسلمون والكفار، فحاذر المسلمون على بعضهم من بعض وكثير منهم اختار
التحليق، وبعض منهم ما يحبون الشعر، والشعر إما يُحسَّن أو يُحلق، ومن شاء
التحليق حلق، ومن شاء الإسبال أسبل، ولم نمنع أحداً من ذلك، وأما الذي يسبل الشعر،
ويجعله وسيلة إلى الكفر والردة، فنحلق رأسه غماً له، وإخلافاً لعقيدته الفاسدة إذا
ظننا به الشر.
وأما ما ذكرت: من أنّا نقتل الكفار فهذا أمر ما نتعذر عنه، ولم
نستخفِ فيه، ونزيد في ذلك إن شاء الله، ونوصي به أبناءنا، من بعدنا، وأبناؤنا يوصون
به أبناءهم من بعدهم، كما قال الصحابي: على الجهاد ما بقينا أبداً.
ونرغم أنوف الكفار ونسفك دماءهم ونغنم أموالهم بحول الله
وقوته، ونفعل ذلك اتباعاً لا ابتداعاً، طاعة لله ولرسوله، وقربة نتقرب بها إلى الله
تعالى ونرجو بها جزيل الثواب بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا
وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ . وقوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ
حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا
فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ .
وقوله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ
الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا
بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ
يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ . ونرغب فيما عند الله من جزيل الثواب حيث قال
تعالى: إِنَّ اللَّهَ
اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا
عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى
بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ
عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)
وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ . الآيات والآحاديث ما تحصى
في الجهاد والترغيب فيه.
ولا لنا دأب إلا الجهاد، ولا لنا مأكل إلا من أموال الكفار،
فيكون عندكم معلوماً، أن الدين مبناه وقواعده، على أصل العبادة لله وحده لا شريك
له، ومتابعة رسوله باطناً وظاهراً، كما قال
تعالى: فَمَنْ كَانَ
يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ
بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا .
وأما ما ذكرت: من مسكننا في أوطان مسيلمة الكذاب فالأماكن لا
تقدس أحداً ولا تكفره، وأحب البقاع إلى الله وأشرفها عنده مكة، التي خرج منها رسول
الله ، وبقي فيها إخوانك أبو جهل، وأبو لهب، ولم يكونوا
مسلمين، والله جل ثناؤه جرت عادته بالمداولة، ولو في الأرض، بدَّل دين مسيلمة بدين
محمد ، وبدّل تصديق مسيلمة بتكذيبه، وتصديق محمد . ونحن نرجو الله أن يبدّل ذلك في أوطانكم سريعاً،
ونحن نزيل منها الباطل، ونثبت فيها الحق إن شاء الله، بحول الله وقوته.
وأما ما ذكرتم أنكم مشيتم(*) على الأحساء،
فنقول الحمد لله على ذلك الممشى، فإنه ولله الحمد والمنة، هتك أستاركم به، ونزع به
مهابتكم من قلوب المسلمين، وأخزاكم الله به الخزي العظيم الظاهر والباطن، الذي ما
عليه مزيد. وقبله، الممشى الذي أخذت به مدافعكم، وقتلت فيه عساكركم، يهلكون في كل
منهل. ولكن كما قال تعالى:
وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ . وقـال تعالى: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا
صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
. فلما أتيتم الإحساء، وارتد معكم أهلها، ولم يبق إلا قصران من المسلمين في كل واحد
منهما خمسون رجلاً، فيهم أطراف الناس، ما يعرفون من المسلمين، وأعجزكم الله تبارك
عنهم، وكدتموهم بكل كيد تقدرون عليه، مع وجه الأرض وباطنها، ونحن في ذلك نجمع لكم
الجموع، ولا لنا همة غير ذلك، فلما تهيأنا للهجوم عليكم، ولم يبق بيننا وبينكم إلا
مسيرة خمس مراحل، قذف الله الرعب في قلوبكم، ووليتم هاربين منهزمين، لا يلوي أحد
على أحد، وأشعلتم النار في علف حصنكم وثقل حملكم وخيامكم، كما قال تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ
بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ .
فلما علمنا بانهزامكم مدبرين، أخذنا لوجهكم طالبين، ورجع من
المسلمين قريب ثلثي العسكر، لما عرفوا أن الله أوقع بكم بأسه، ولحقناكم وأتيناكم من
عند وجوهكم، ونوخنا مناخ سوء لكم، ورجونا أن الله قد أمكننا منكم، وأن يمنحنا
أكتافكم، ويورثنا أرضكم ودياركم. فلما حل بكم العطب وضاقت عليكم الأرض بما رحبت،
واستسلمتم لزهوق نفوسكم، توسلتم بابن ثامر، وأمرته يبدي لنا الرقة والوجاهة فجاءنا،
ثم جاءنا ركبك، وكتابك، وتوجهك، وجنحنا لقوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وأنت في تلك الساعة متحير برهانك، ضائع رأيك،
تتأكى في وسط الناس على المراغة، وتقول: أحطكم في جحر عيني، ولحَّ علينا حمود بن
ثامر ومحمد بيك بالوجاهة، وفي حال الحرب، وأنت متق عنا بالعربان، جاعلهم بيننا
وبينك ولا خير فيمن جعل الأعراب ذراه.
وقولك إنا أخذنا كربلاء، وذبحنا أهلها، وأخذنا أموالها، فالحمد
لله رب العالمين، ولا نتعذر من ذلك ونقول: وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا .
وقولك: إنك طلبتنا أنت وباشتك، فالكذب عيب في أمر الدين
والدنيا، قال تعالى:
إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ
وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ . وجميع الناس
يفهمون: أنا لما نزلنا الاخيضر فوق القصر، على ثغبان، أقمنا بها سوق الحراج، على
أموال الكفرة عبدة الأوثان، وأقمنا إحدى عشرة ليلة على منزل واحد، وركابنا كلها
عزيب ليست عندنا وربما عندك من العربان من هو معنا في ذلك المنزل، اسألهم يخبرونك
إن كنت لا تدري. ونحن ننتظركم في تلك المدة إنكم تظهرون علينا، ونكر عليكم، ونستأصل
عساكركم ونتغلب على بلدانكم فلما أيسنا منكم وفرغ المسلمون من بيع ما أفاء الله
عليهم رحلنا بالعز والسلامة والمغنم والأجر إن شاء الله تعالى، ثم بعد ذلك مشينا
ونزلنا على بلدك البصرة، وأقمنا بها عشرة أيام، وذبحنا ودمرنا ما بلغك علمه.
والمشي الثالث: تحريناك(*) في رأس الهندية
فلم نجدك، وقدّمنا إلى المشهد، قواسة يقوسون حفره، فلما قصر الخشب رجعنا ونزلنا
الهندية، وقعدت جموع المسلمين حتى وصلت قريباً من خان ذبلة، وكل من لقوه وضعوا عليه
السيف. ومن خان ذبلة إلى البصرة أقمنا بها قريباً من عشرين ليلة، نأخذ ونقتل من
رعاياك الحاضر والبادي، والأثر يدل على المؤثر، انظر ديارك الفلاحين والبوادي، من
بغداد إلى البصرة، كم دمرت من الديار، ولم يبق فيها أثر، ولله الحمد والمنة، كل
جميع هذه الجهة.
وما ذكرت من جهة الحرمين الشريفين، الحمد لله على فضله وكرمه،
حمداً كثيراً كما ينبغي أن يحمد، وعز جلاله، لما كان أهل الحرمين آبين عن الإسلام،
وممتنعين عن الإنقياد لأمر الله ورسوله، ومقيمين على مثل ما أنت عليه اليوم من
الشرك والضلال والفساد، وجب علينا الجهاد بحمد الله فيما يزيل ذلك عن حرم الله وحرم
رسوله ، من غير استحلال لحرمتهما. ونحن، ولله الحمد، أهل
احترام لحرمه لا أنتم، كما قال الله تعالى: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ
إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
. فلما ضاق بهم الحال، وقطعنا عليهم السبل، ثم بعد ذلك فاؤوا ورجعوا، وانقادوا إلى
أمر الله ورسوله وأذعنوا للإسلام وأقروا به، وهدمنا الأوثان، وأثبتنا فيها عبادة
الرحمن، وأقمنا فيها الفرائض، ونفينا عنها كل قبيح مما حرَّم الله ورسوله، ولم نكن،
ولله الحمد، نسفك فيها دماً ولا نأخذ مالاً، ولا ننفر منها صيداً ولا نعضد شجراً.
فإذا كنت تزعم أنها من ولايتك، فما منعك أن تفك ولايتك أو تنفع أهلها بميرة حين ضاق
بهم الحال، بل كنت إلى الآن لم تؤد فريضة حجك، وأرجو أن تموت على ملتك النصرانية،
وتكون من خنازير النار إن شاء الله.
وما ذكرت: من افتخارك: أنك وزير بغداد، فنعوذ بالله من هذه
الوزارة، بل تحملت وزرك وأوزار من اتبعك، كما قال تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ
كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ
عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ . وإنما افتخر بمثل
ذلك أخوك فرعون بقوله:
أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا
تُبْصِرُونَ إلى قوله: فَاسْتَخَفَّ
قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا
ءَاسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55)
فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ
. وقال تعالى:
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ
الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ
الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ .
فلما ولاك الله رعيتك، فما بالك لم تتولها بخير، بل توليتها
بشرّ، فعلت بهم من الظلم، وسفك الدماء والعدوان ما لا يوصف، ولا يفعله من يؤمن
بالله واليوم الآخر، وخنتَ في أمانتك التي استأمنك عليها سيدك سليمان باشا، الذي
اشتراك من حر ماله، وجمعك أنت رابع أربعة، حين حضرته الوفاة، يوصيكم على عياله،
وأخذ عليكم العهد والميثاق، فخنت العهد وذبحت الثلاثة، ونفيت عيال سيدك من مملكتهم
وتوليت أموالهم. والعجب كل العجب من رعيتك، الذين يزعمون أنهم أهل ذكاء وفطنة،
يرضون أنهم يولون عليهم رجلاً أصله نصراني على غير ملتهم، وفرعه مملوك، وهذا أعظم
ما دلنا على ذهابهم إن شاء الله، وتدمير أمرهم بحول الله وقوته. فإن أردت النجاة
وسلامة الملك فأنا أدعوك إلى الإسلام، كما قال
لهرقل ملك الروم: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين
فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (*) ، وقول الله
تعالى: يَا أَهْلَ
الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا
نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ، وقوله: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
، وقوله:
وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ
سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ
بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ .
وأما المهادنة والمسابلة على غير الإسلام: فهذا أمر محال بحول
الله وقوته، وأنت تفهم أن هذا أمر طلبتموه منا مرة بعد مرة، وأرسلتم لنا عبدالعزيز
القديمي، ثم أرسلتم لنا عبدالعزيز بيك، وطلبتم المهادنة والمسابلة وبذلتم الجزية،
وفرضتم على أنفسكم كل سنة ثلاثين ألف مثقال ذهباً فلم نقبل ذلك منكم ولم نجبكم
للمهادنة. فإن قبلتم الإسلام فخيرتها لكم وهو مطلوبنا، وإن أبيتم فنقول لكم كما قال
الله تعالى:
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، ونقول: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ
الْوَكِيلُ ، ونقول: مَالِكِ يَوْمِ
الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
، ونقول: وَقُلْ جَاءَ
الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ونقول: قل جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا
يُعِيدُ ، ونقول كما قال الله لنبيه
: فَإِنْ تَوَلَّوْا
فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ
الْعَرْشِ الْعَظِيمِ .
وما ذكرته من المواعدة، فالزمط ليس للرجال ونشّيم(*) أنفسنا عن
الزمط والكذب، ومتى وصلنا الله وصلناكم عن قريب إن شاء الله تعالى، فإذا سمعت ضرب
المدافع والبارود، ورأيت الحريق في بلدانك، إن شاء الله، فلا تذخر، وصلى الله على
محمد وآله وصحبه وسلم.
(*) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، الجزء التاسع ـ القسم الثاني من كتاب الجهاد وأول كتاب حكم المرتد
ص264 ـ 289.
(*) عكاظ وذو المجاز ومجنّة أسواق معروفة للعرب في الجاهلية يبتاعون فيها ويشترون وتلتقي فيها شعراؤهم ووفودهم.
(*) مشيتم أي غزوتم.
(*) أي: انتظرناك
(*) الأريسون مفردها آلأريس، على وزن "فَعيل" أو "فِعيل" هو الأكّار وهو الحراث اُنظر الفيروز أبادي، القاموس المحيط، مادتي "أرس" و "أكر"
(*) نشيّم، يعني نربأ بأنفسنا.
|